خارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

مؤتمر الحسكة.. لقاء باريس: هل ترسم خريطة طريق الأقليات السورية؟

خاص – نبض الشام

في ظل التغيرات العميقة التي تعصف بالمشهد السوري، برز مؤتمر الحسكة الذي عُقد اليوم، كمنصة جامعة تمثل صوت الأقليات والمكونات العرقية والدينية في شمال وشرق سوريا، بهدف بلورة موقف موحّد تجاه مستقبل البلاد السياسي. المؤتمر، الذي جمع أكثر من 400 شخصية، يأتي في توقيت حرج قبل لقاء دولي مرتقب في باريس بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ووزير خارجية الحكومة المؤقتة أسعد الشيباني.

اللامركزية كضمانة لحماية الأقليات
في السياق العام لأي دولة كانت، لم تكن المركزية سوى أداة لإقصاء المكونات الأصغر، وإضعاف قدرتها على التأثير السياسي والثقافي في بنية الدولة. من هنا، تبرز اللامركزية كنموذج ضروري لضمان استقرار سوريا الجديدة، ليس فقط بتوزيع السلطة جغرافياً، بل أيضاً بإعادة توزيعها سياسياً وثقافياً بشكل يضمن مشاركة فعلية للأقليات.

إن اعتماد نظام لا مركزي ديمقراطي يسمح لكل مكوّن بإدارة شؤونه المحلية، ويحمي خصوصياته اللغوية والدينية، بعيداً عن هيمنة المركز التي كانت سبباً رئيساً في نشوب التوترات والصراعات. وبالتالي، فإن المطالب التي خرج بها مؤتمر الحسكة ليست انعزالية، بل تعكس حرصاً على وحدة الدولة من خلال تنوعها، وعلى بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف لا الإلغاء.

لا مركزية لا انفصال
أبرز ما ميّز المؤتمر هو الإجماع على رفض الإقصاء والمركزية، والدعوة إلى نظام حكم لا مركزي ديمقراطي يضمن تمثيل كافة المكونات السورية. سيبان حمو، قائد وحدات حماية الشعب، شدّد على أن هدفهم ليس الانفصال بل بناء “سوريا ديمقراطية لا مركزية”، رافضاً الانضمام إلى جيش مركزي يستمر في سياسات التهميش.

رسائل دعم عابرة للمناطق والطوائف
المؤتمر لم يقتصر على المشاركين من شمال وشرق سوريا، بل حظي برسائل دعم قوية من مشايخ وقادة دينيين من مناطق مثل السويداء والساحل. الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في السويداء الشيخ حكمت الهجري وصف المؤتمر بـ”نداء للضمير الوطني”، بينما دعا رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا، الشيخ غزال غزال إلى إقامة دولة علمانية لا مركزية “تحترم جميع المكونات وتضمن حقوقهم”.

تحديات المرحلة الانتقالية
تتزامن هذه الجهود مع واقع سياسي معقد يتمثل في تولي أحمد الشرع رئاسة سوريا خلال المرحلة الانتقالية، بعد سقوط نظام بشار الأسد. الشرع يواجه اتهامات بارتكاب مجازر وعمليات قتل طائفية في الساحل والسويداء، ما دفع كثيرين إلى التأكيد على ضرورة إطلاق عملية عدالة انتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.

بيان ختامي يرفض الإقصاء
في بيانهم الختامي، رفض المشاركون الإعلان الدستوري الراهن، معتبرين إياه غير ممثل لتطلعات الشعب السوري. ودعوا إلى “إعادة بناء الدولة على أسس تشاركية” تضمن المساواة والعدالة وحرية المعتقد، وإطلاق مسار فعلي للعدالة الانتقالية، إلى جانب ضمان “عودة كريمة وآمنة للمهجّرين” ورفض كل أشكال التغيير الديمغرافي.

ماذا سيحمل لقاء باريس؟ وهل تستجيب دمشق؟
يُعدّ لقاء باريس المرتقب اختباراً فعلياً لمدى استعداد الجهات الدولية والمحلية لأخذ مطالب مؤتمر الحسكة على محمل الجد. اللقاء الذي سيجمع مظلوم عبدي بأسعد الشيباني قد يفتح الباب أمام رؤية توافقية لمستقبل سوريا، تتجاوز الحلول العسكرية إلى تسوية سياسية تشاركية.

لكن تبقى الأسئلة مطروحة، هل ستقبل الحكومة المؤقتة في دمشق، مطالب المؤتمر؟ من الناحية الواقعية، قد لا تظهر استجابة فورية، لا سيما في ظل تركيبة السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، المتهمة بتكرار أنماط الإقصاء القديمة.

ومع ذلك، فإن الضغط الدولي، وشرعية المطالب التي أيدتها مكونات دينية واجتماعية واسعة، تضع دمشق أمام خيارين، إما الانخراط في عملية تحول ديمقراطي حقيقي، أو مواجهة مزيد من الانقسام والتفكك.
إن نجاح مؤتمر الحسكة لا يُقاس فقط بعدد الحضور، بل في كونه وضع الأسس الصلبة لخطاب سياسي سوري جديد، لم يعد يُدار من فوق، بل ينبع من القواعد المجتمعية نفسها.

مؤتمر الحسكة لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل كان تجسيداً لصرخة مكونات سوريا المنسية، ورسالة واضحة بأن لا مستقبل للبلاد دون الاعتراف بتنوعها وضمان مشاركة الجميع. مع اقتراب لقاء باريس، يبقى الأمل أن تجد هذه المطالب آذانًا صاغية، وأن يتحول هذا المؤتمر إلى محطة مفصلية نحو بناء سوريا جديدة، تعددية، لا مركزية، ديمقراطية، تحترم الإنسان قبل أي انتماء.

متابعة – أسرة تحرير نبض الشام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى