لا حسم في السويداء.. حسابات مفتوحة وتحركات متواصلة

لم يعد ملف السويداء شأناً محلياً محصوراً في الجنوب السوري، بل بات حاضراً في حسابات سياسية وأمنية تتجاوز حدود المحافظة، مع تداخل التطورات الميدانية مع التحركات الإقليمية والدولية، وتزايد التساؤلات بشأن مستقبل المنطقة واحتمالات التصعيد فيها.
وخلال الأشهر الماضية، بقيت السويداء ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل بين أطراف متعددة، في ظل توترات أمنية متكررة ومساعٍ سياسية لمعالجة الملفات العالقة. ومع اقتراب استحقاقات انتخابية في إسرائيل، عاد الملف إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وسط تقديرات تتحدث عن إمكانية توظيفه ضمن حسابات أوسع.
وفي الأسابيع الأخيرة، تزامنت زيادة التقارير المتعلقة باحتمال اندلاع مواجهات جديدة مع تكثيف التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا، بما يشمل التوغلات والقصف وعمليات الاعتقال والاختطاف. كما تحدثت مصادر متعددة عن استمرار نقل أموال ومساعدات ومعدات إلى مجموعات محلية داخل المحافظة عبر مسارات جوية، من دون توافر معلومات مستقلة تحسم جميع تفاصيل هذه التحركات.
وترافقت هذه التطورات مع تداول صور لأسلحة حديثة قيل إنها وصلت إلى مجموعات مسلحة في السويداء، إلى جانب معلومات عن نقاشات تتعلق بإنشاء موقع ذي طابع عسكري في المحافظة. لكن طبيعة المشروع والجهة التي قد تتولى تشغيله والأهداف المرتبطة به لا تزال غير واضحة.
ويطرح تزامن هذه المؤشرات مع تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي تساؤلات بشأن ما إذا كانت المنطقة تشهد موجة توتر مؤقتة، أم أن هناك سعياً إلى إبقاء ملف السويداء ورقة حاضرة في الحسابات السياسية والأمنية خلال المرحلة المقبلة.
تصعيد متواصل في الجنوب السوري
تشهد مناطق جنوب سوريا استمراراً في التحركات الإسرائيلية، من خلال التوغلات البرية وعمليات الاستهداف والنشاط الجوي، في ظل توتر لم تنجح المساعي السياسية حتى الآن في وضع حد له بصورة نهائية.
وتحدثت تقديرات متداولة عن زيادة وتيرة النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب غربي سوريا خلال الأسابيع الستة الماضية، مع ارتفاع معدلات القصف والتوغلات وعمليات الاعتقال والاختطاف.
وبحسب أرقام أوردتها تقديرات مختصة بالشأن السوري، بلغ متوسط النشاط الإسرائيلي نحو 20 عملية قصف و17 توغلاً عسكرياً وأربع حالات اختطاف أسبوعياً. وتعكس هذه الأرقام، إذا صحت، كثافة التحركات في المنطقة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد الأهداف النهائية لهذه العمليات أو ربطها بخطة واحدة متكاملة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد الاهتمام السياسي والإعلامي الإسرائيلي بملف السويداء والدروز السوريين، وهو ملف عاد إلى الواجهة خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً مع تكرار الحديث عن الأوضاع الأمنية في المحافظة ومستقبل العلاقة بينها وبين السلطات السورية.
ملف السويداء يعود إلى الواجهة
شهدت الأيام الماضية تجدد التقارير التي تتحدث عن احتمال اندلاع مواجهات جديدة في السويداء، وتناولت استعداد مجموعات مسلحة لتنفيذ تحركات عسكرية محتملة ضد القوات الحكومية، استناداً إلى معلومات منسوبة إلى مصادر سورية لم تُكشف هوياتها.
وتزامنت هذه التقارير مع تكرار الدعوات الإسرائيلية إلى ما تصفه بـ«حماية الدروز» في سوريا، وهو خطاب برز بصورة لافتة منذ أحداث تموز 2025، وعاد إلى التداول مع زيادة النشاط الإسرائيلي في الجنوب السوري.
ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يتقاطع مع اعتبارات سياسية داخل إسرائيل، نظراً إلى حساسية ملف الدروز في المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته العسكرية والأمنية. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يحضر الملف في النقاشات الداخلية والحسابات الانتخابية، من دون أن يعني ذلك أن جميع التحركات الميدانية مرتبطة بالضرورة بالاستحقاق الانتخابي أو أن أهدافها قد حُسمت.
ويظل تحديد طبيعة العلاقة بين الخطاب السياسي والتحركات العسكرية مرتبطاً بظهور معطيات أوضح بشأن الجهات المشاركة في هذه التحركات، وأهدافها، ومدى ارتباطها بالتطورات الإقليمية.
أسلحة حديثة ومؤشرات على دعم مالي
بالتوازي مع التصعيد الميداني، تداولت حسابات مرتبطة بمجموعات تتلقى دعماً إسرائيلياً صوراً لأسلحة داخل السويداء خلال الأشهر الماضية، بينها بنادق أميركية من طرازي «M16» و«AR-15»، ظهرت بحوزة عناصر مسلحة في صور منشورة على منصات التواصل الاجتماعي.
غير أن الصور المتداولة، بمفردها، لا تكفي للتحقق من توقيت وصول هذه الأسلحة أو مسار نقلها أو الجهة التي قدمتها، ما يجعل تحديد حجم الدعم العسكري وطبيعته بحاجة إلى معلومات إضافية.
وفي الجانب المالي، تحدثت مصادر متقاطعة عن وصول دعم بصورة أكثر انتظاماً إلى بعض المجموعات المسلحة، مقارنة بفترات سابقة. كما أشارت معلومات متداولة إلى حصول فصائل مدعومة من إسرائيل على رواتب شهرية منتظمة خلال الأشهر الأربعة الماضية، بعد أن كانت هذه المدفوعات تصل بصورة متقطعة وعلى فترات متباعدة.
وإذا تأكدت هذه المعطيات، فقد تشير إلى تغير في آلية الدعم المقدم لبعض المجموعات المحلية، لكنها لا تحسم وحدها ما إذا كان الأمر جزءاً من ترتيبات عسكرية أوسع، أم أنه يندرج ضمن مسارات دعم قائمة بأهداف مختلفة.
نشاط غير اعتيادي في محيط تل قليب
تحدثت مصادر عسكرية وأمنية عن نقاشات جرت داخل أوساط مرتبطة بالمكتب الأمني التابع لسلمان الهجري، بشأن مقترح إسرائيلي لإنشاء موقع ذي طابع عسكري في محافظة السويداء.
ولا تزال المعلومات المتاحة بشأن هذا المقترح محدودة، إذ لم تتضح طبيعته أو المرحلة التي وصل إليها، كما لم تتوافر تفاصيل حاسمة عن الجهة التي ستتولى تشغيل الموقع أو الغرض من إنشائه.
ويتزامن الحديث عن المشروع مع تقارير بشأن تحليق مروحيات إسرائيلية فوق المحافظة خلال الأسابيع الماضية، ورصد عمليات هبوط في مناطق مختلفة، إلى جانب معلومات عن تقييد وصول المدنيين إلى مواقع في محيط تل قليب، الذي يبعد نحو 15 كيلومتراً عن مدينة السويداء.
كما تحدثت مصادر عن استمرار منع المدنيين من الوصول إلى منطقة الجبل خلال الشهرين الماضيين، بالتزامن مع رصد نشاط جوي إسرائيلي. لكن طبيعة الأنشطة الجارية في المنطقة وما إذا كانت مرتبطة بالمقترح المتداول لا تزالان موضع تساؤل في ظل غياب معلومات تفصيلية مستقلة.
ويكتسب هذا الملف أهمية بسبب موقع المنطقة وحساسية التحركات العسكرية فيها، إلا أن ربط النشاط الجوي أو القيود المفروضة على الوصول إلى بعض المواقع بإنشاء منشأة عسكرية محددة يبقى استنتاجاً يحتاج إلى أدلة إضافية.
بين الوقائع والتوقعات.. هل تقترب مواجهة جديدة؟
على الرغم من تعدد المؤشرات المتعلقة بالتسليح والدعم المالي والتحركات الجوية، لا تتفق التقديرات بشأن ما إذا كانت هذه التطورات تمهد لمواجهة عسكرية واسعة في السويداء خلال المدى القريب.
فثمة قراءات ترى في هذه التحركات مؤشرات إلى بناء أدوات نفوذ يمكن استخدامها لاحقاً، في حين تستبعد تقديرات أخرى اندلاع هجوم واسع في الفترة القريبة، بالنظر إلى تعقيدات المشهد السوري ومواقف الأطراف الدولية المعنية باستقراره.
وتبقى احتمالات التصعيد مرتبطة بمجموعة من العوامل، من بينها طبيعة التحركات الإسرائيلية المقبلة، ومواقف المجموعات المسلحة داخل المحافظة، ومسار العلاقة بين دمشق والقوى المحلية، فضلاً عن المواقف الإقليمية والدولية.
وبناءً على ذلك، لا يمكن الجزم بأن المؤشرات الحالية تعني أن مواجهة جديدة باتت وشيكة، كما لا يمكن استبعاد استمرار التوتر أو استخدامه للضغط في سياق المفاوضات والتحركات السياسية.
الحوار في دمشق والتوتر على الأرض
تأتي هذه التطورات في وقت تتحدث فيه دمشق عن تفاهمات ومبادرات تستهدف معالجة الملفات العالقة في السويداء وتهيئة ظروف أكثر استقراراً داخل المحافظة.
وفي المقابل، تشير التحركات الإسرائيلية والتقارير المرتبطة بالدعم المقدم إلى مجموعات محلية إلى استمرار حضور العامل الخارجي في المشهد، سواء عبر الخطاب السياسي والإعلامي أو من خلال أنشطة ميدانية تتحدث عنها مصادر متعددة.
ويضع هذا التزامن مساعي الحوار أمام تحديات إضافية، إذ يمكن أن تؤثر التطورات الأمنية والرسائل المتبادلة بين الأطراف في فرص التوصل إلى تفاهمات مستقرة، خصوصاً إذا استمر تداول سيناريوهات المواجهة من دون وضوح بشأن حقيقة التحركات وأهدافها.
وبذلك، تبدو السويداء أمام مسارين متوازيين: مسار يسعى إلى احتواء الأزمة عبر الحوار والتفاهمات، وآخر تحكمه مؤشرات توتر وتحركات تثير تساؤلات بشأن مستقبل المحافظة وموقعها في الحسابات الإقليمية.
ويبقى السؤال الأساسي ما إذا كانت التحركات الحالية ستظل ضمن حدود الرسائل السياسية والضغوط المتبادلة، أم أنها ستفضي إلى ترتيبات أمنية جديدة على الأرض. وفي ظل نقص المعلومات الحاسمة، تظل الصلة بين التصعيد الميداني والحسابات الانتخابية الإسرائيلية احتمالاً مطروحاً، لا تفسيراً نهائياً لكل ما يجري في السويداء.




