أخبــاربلاد المهجر

قمة أنقرة تعزز موقع تركيا داخل “الناتو”

لم تكن القمة السادسة والثلاثون لحلف شمال الأطلسي، التي استضافتها أنقرة هذا الأسبوع للمرة الثانية فقط في تاريخ الحلف، مجرد اجتماع دبلوماسي لقادة الدول الأعضاء الـ32 وممثلين رفيعي المستوى من دول الخليج، بل تحولت إلى منصة استعرضت خلالها تركيا قدراتها السياسية والعسكرية، مستفيدة من حالة التحول والارتباك التي يمر بها النظام الأمني الغربي، لتكرّس نفسها لاعبًا مركزيًا في معادلات الأمن الأوروبي والشرق أوسطي.

وبحسب تحليل للدكتورة عنات هوخبرغ-ماروم نشرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فقد استغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الظروف المعقدة التي يمر بها حلف شمال الأطلسي، بدءًا من المخاوف بشأن تراجع الالتزام الأميركي التقليدي تجاه أوروبا، وانشغال واشنطن المتزايد بالمنافسة الاستراتيجية مع الصين، مرورًا بتصاعد التهديد الروسي، وصولًا إلى محاولات الدول الأوروبية تعزيز استقلاليتها الدفاعية.

وفي ظل توجه الأمين العام للحلف مارك روته نحو إعادة صياغة دور “الناتو” ومنحه طابعًا أوروبيًا أكبر مع تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، عمل أردوغان على تحويل قمة أنقرة إلى مساحة لتقديم تركيا باعتبارها عنصرًا أساسيًا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

وتصدرت ملفات الحرب الروسية–الأوكرانية، والتوترات مع إيران، ومستقبل الإنفاق الدفاعي، جدول أعمال القمة، إلى جانب بحث هدف رفع الإنفاق العسكري لدول الحلف إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. كما ناقش القادة التحولات الكبرى التي تواجه المنظومة الدفاعية الغربية، بما في ذلك الأمن السيبراني، وأمن الطاقة، وتطوير أنظمة قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

تركيا تستثمر موقعها العسكري والجغرافي

في ظل تصاعد الخلافات داخل الحلف، من إعادة انتشار قوات أميركية في أوروبا إلى التباينات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية بشأن ملفات دولية عدة، تسعى تركيا إلى تقديم نفسها باعتبارها أكثر من مجرد عضو في “الناتو”، بل كقوة لا يمكن تجاوزها في منظومة الأمن الإقليمي والدولي.

وتعتمد أنقرة في ذلك على مجموعة من المقومات، أبرزها امتلاكها ثاني أكبر جيش في الحلف، بقدرات بشرية كبيرة، إلى جانب تطور صناعتها الدفاعية، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يمنحها نفوذًا مباشرًا على البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط.

كما تستفيد تركيا من تجربتها في تطوير الصناعات العسكرية المحلية، ومن الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، لتعزيز قدراتها في مجالات المسيّرات والحرب الإلكترونية والتقنيات الدفاعية الحديثة، بما يزيد من أهميتها داخل بنية الحلف.

وفي الوقت نفسه، تعمل أنقرة على تحويل قطاع الصناعات الدفاعية إلى محرك اقتصادي، عبر تقليل الاعتماد على الاستيراد، وزيادة صادراتها العسكرية، وتعزيز اندماجها في سلاسل الإنتاج الدفاعية المرتبطة بدول “الناتو”.

مناورة بين موسكو والغرب

ورغم علاقاتها الاقتصادية مع روسيا، بما في ذلك التعاون في قطاع الطاقة، تدرك أنقرة أهمية موقعها داخل الحلف الأطلسي، خصوصًا مع تصاعد المخاطر الأمنية في محيطها الإقليمي.

وتسعى تركيا إلى الحفاظ على هامش واسع من المناورة بين موسكو وطهران من جهة، والغرب من جهة أخرى، مستفيدة من موقعها كحلقة وصل بين مناطق نفوذ متعددة.

وخلال القمة، ركز أردوغان على التحديات الأمنية التي تواجه بلاده من الشرق والجنوب، وعلى الدور الذي يمكن أن تؤديه تركيا في حماية الجناح الجنوبي للحلف، مستندًا إلى قدراتها العسكرية وموقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الممتدة من أوروبا إلى آسيا الوسطى.

وتأتي هذه التحركات في وقت تتولى فيه دول أخرى أدوارًا مختلفة داخل الحلف، إذ تعزز النرويج الجناح الشمالي، بينما تدعم بولندا الجناح الشرقي، ما يمنح تركيا موقعًا متقدمًا في الجنوب.

رسالة تركية لأوروبا

خلف التصريحات الرسمية، حملت قمة أنقرة رسالة واضحة مفادها أن تركيا لن تقبل بتشكيل منظومة دفاع أوروبية مستقلة تتجاوز دورها أو تقلل من أهميتها الاستراتيجية.

وترى أنقرة أن أي مشروع أوروبي لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة قد يتحول إلى تهديد إذا أدى إلى تهميش الدول التي تقع في الخطوط الأمامية للمواجهة، وعلى رأسها تركيا.

وفي المقابل، شهدت العلاقات التركية–الأميركية تحسنًا نسبيًا، مع توسع التعاون الاقتصادي والأمني، وهو ما يعزز موقع أنقرة داخل المعادلة الأطلسية، لكنه يضع الحلف أمام تحدي تحقيق التوازن بين دوره الأوروبي المتزايد والمصالح الأميركية الاستراتيجية.

ومع انتقال “الناتو” إلى مرحلة جديدة قد تتحمل فيها أوروبا مسؤولية أكبر عن الدفاع التقليدي، بينما تركز الولايات المتحدة على الردع الاستراتيجي ومواجهة الصين، تطرح تركيا نفسها كشريك أساسي قادر على التعامل مع أزمات متعددة في الشرق الأوسط والبحر الأسود وآسيا الوسطى.

انعكاسات على إسرائيل

يمثل صعود الدور التركي داخل “الناتو” تحديًا استراتيجيًا لإسرائيل، خصوصًا مع توسع نفوذ أنقرة في شرق المتوسط وتعاظم دور صناعتها الدفاعية.

فاستضافة تركيا لقمة الحلف وقدرتها على التأثير في أولوياته تعكس تحولًا في موقعها داخل المنظومة الغربية، في وقت تواجه فيه إسرائيل تراجعًا نسبيًا في قدرتها على التأثير داخل بعض الملفات الإقليمية.

كما أن توقف التعاون التركي–الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب في غزة عزز التباعد بين الطرفين، وفتح المجال أمام تصاعد الخطاب التركي المناهض لإسرائيل على المستوى الإقليمي والدولي.

إلى جانب ذلك، تعمل تركيا على تعزيز دورها كممر تجاري وطاقة بين آسيا وأوروبا، من خلال مشاريع البنية التحتية والممرات الاقتصادية، وفي مقدمتها “الممر الأوسط”، إضافة إلى مشاريع تعاون إقليمية تهدف إلى ربط الأسواق الأوروبية بالشرق الأوسط.

وتشكل هذه التحركات منافسة لمشاريع أخرى في المنطقة، بما فيها “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC)، الذي يضم مسارات تمر عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل واليونان.

معادلة إقليمية جديدة

رغم استمرار أهمية إسرائيل كشريك أمني وتكنولوجي بالنسبة لعدد من دول “الناتو”، فإن التحولات الجيوسياسية الأخيرة تشير إلى أن تركيا تعمل على توسيع نفوذها الإقليمي عبر أدوات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية متكاملة.

وبذلك، أصبحت المنافسة بين أنقرة وتل أبيب تتجاوز الخلافات السياسية المباشرة، لتنتقل إلى مجالات أوسع تشمل التجارة والطاقة والممرات الاستراتيجية والنفوذ الإقليمي.

وفي المحصلة، أظهرت قمة أنقرة أن تركيا لم تعد لاعبًا ثانويًا داخل المنظومة الغربية، بل أصبحت قوة مركزية تسعى إلى التأثير في مستقبل الأمن الأوروبي والشرق أوسطي.

أما إسرائيل، فتواجه واقعًا جديدًا يتطلب إعادة تقييم استراتيجياتها الإقليمية، وتعزيز تحالفاتها مع القوى الأوروبية والولايات المتحدة ودول شرق المتوسط، إضافة إلى تطوير بدائل اقتصادية وأمنية تضمن لها مساحة أكبر من الاستقلال الاستراتيجي خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى