خارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

مأزق أوروبي: أزمة غاز والإنذار الكبير!

خاص – نبض الشام

تجد أوروبا نفسها مجدداً على حافة أزمة طاقة قد تكون الأسوأ منذ عام 2022، لكن المفارقة أن هذه الأزمة لا تبدو مفاجئة بقدر ما هي نتيجة مسار طويل من الخيارات المتناقضة. فبين السعي إلى الاستقلال الطاقي والارتهان لمصادر خارجية، وبين الخطاب الأخضر والواقع الصناعي، يتكشف مأزق أوروبي عميق يعيد طرح سؤال جوهري، هل كانت أوروبا تتجه نحو هذه الأزمة دون أن تدرك؟

جذور الأزمة
بعد الحرب في أوكرانيا، عمل الاتحاد الأوروبي على تقليص اعتماده على الغاز الروسي، ونجح فعلياً في ذلك. لكن هذا “النجاح” لم يكن تحرراً حقيقياً، بل إعادة توزيع للاعتماد نحو مصادر أخرى مثل الغاز الأمريكي والقطري. ومع اندلاع الحرب في إيران وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، انكشفت هشاشة هذا البديل، إذ يمر نحو 20% من الطاقة العالمية عبر هذا الممر الحيوي، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على أوروبا، وهكذا، لم تتخلص أوروبا من التبعية، بل غيّرت شكلها فقط.

صدمة السوق
مع بداية التصعيد، قفزت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 60%، وارتفعت أسعار الوقود بشكل لافت في عدة دول، متجاوزة مستويات مقلقة للمستهلكين، كما أدى توقف جزء من إنتاج الغاز المسال في قطر إلى مضاعفة الضغوط على السوق الأوروبية، في وقت كانت فيه المخزونات منخفضة أصلاً بعد شتاء قاسٍ .

هذه الأرقام لا تعكس مجرد أزمة مؤقتة، بل تشير إلى خلل هيكلي في منظومة الطاقة الأوروبية، حيث لا تزال الأسعار مرتبطة بشدة بأسواق الغاز رغم التوسع في الطاقة المتجددة.

تغيرات!
تكشف الأزمة عن تناقض واضح في السياسات الأوروبية؛ ففي الوقت الذي تروج فيه بروكسل للتحول نحو الطاقة النظيفة، تضطر الدول الأوروبية إلى تأجيل بعض أهدافها المناخية والعودة إلى تعزيز استخدام الغاز لضمان الأمن الطاقي .بل إن بعض الدول بدأت تفكر في تخفيف القيود البيئية أو حتى إعادة النظر في استيراد الطاقة من مصادر كانت تسعى للتخلي عنها. هذا التراجع لا يعكس فشل التحول الأخضر بحد ذاته، بل يكشف أن الانتقال لم يكن متكاملاً، وأن البنية الاقتصادية لا تزال مرتبطة بالوقود الأحفوري بشكل عميق.

أزمة إدارة
الأخطر في المشهد ليس فقط نقص الإمدادات، بل غياب استجابة أوروبية موحدة. إذ لجأت كل دولة تقريباً إلى حلول فردية مثل خفض الضرائب أو دعم الأسعار، في ظل غياب استراتيجية جماعية واضحة . كما أن التردد في ملء المخزونات بسبب ارتفاع الأسعار يعكس ارتباكاً في إدارة الأزمة، ما قد يؤدي إلى تفاقمها مع حلول الشتاء القادم، هنا يتجلى المأزق الحقيقي، أزمة قرار بقدر ما هي أزمة طاقة.

نموذج متوازن
تكشف أزمة الغاز الحالية أن أوروبا لا “تسير نائمة” نحو الخطر، بل تتحرك داخل دائرة من التناقضات غير المحسومة. فبين الاستقلال والتبعية، وبين البيئة والاقتصاد، لم تنجح بعد في صياغة نموذج طاقي متوازن. وإذا لم تُعالج هذه التناقضات جذرياً، فإن ما تعيشه اليوم قد لا يكون سوى بداية لأزمات أكثر عمقاً في المستقبل.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى