أخبــارتقارير

مأرب والجوف.. جبهتان قد تقلبان حسابات الحوثيين في اليمن

في ظل تعدد جبهات المواجهة مع الحوثيين في اليمن، تبرز جبهتا مأرب والجوف بوصفهما ورقتين عسكريتين مهمتين يمكن أن تؤثرا في موازين الصراع، بالنظر إلى موقعهما الجغرافي وامتدادهما باتجاه المناطق المحيطة بالعاصمة صنعاء، فضلاً عن وجود تشكيلات عسكرية حكومية فيهما.

ورغم هذه الأهمية، لا تزال التحركات الميدانية المعلنة في المحافظتين محدودة التأثير، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب عدم توظيف الإمكانات العسكرية المتاحة لتحقيق نتائج أوسع. وفي وقت يواصل فيه الحوثيون الضغط على جبهات أخرى، خصوصاً تعز والساحل الغربي، قد يسهم تنشيط جبهتي مأرب والجوف في توسيع نطاق المواجهة وإجبار الجماعة على توزيع قواتها ومواردها على أكثر من اتجاه.

غير أن تحقيق هذا التأثير يظل مرتبطاً بقدرة القوات الحكومية على تجاوز الاشتباكات المحدودة واستهداف المواقع والتحصينات، والانتقال إلى عمليات تحقق نتائج ميدانية واضحة وتؤثر في خطوط المواجهة.

مأرب والجوف.. أهمية استراتيجية وإمكانات غير مستثمرة
تمثل محافظتا مأرب والجوف نحو 10% من مساحة اليمن، وتستمدان أهميتهما من موقعهما الجغرافي وامتدادهما باتجاه محافظتي صنعاء وعمران المحيطتين بالعاصمة.

وتسيطر جماعة الحوثيين على أجزاء واسعة من المحافظتين، في حين تنتشر فيهما تشكيلات عسكرية حكومية تمتلك إمكانات يمكن أن تؤثر في مسار المواجهة، إذا جرى توظيفها ضمن تحركات أكثر فاعلية.

وفي ظل تعدد جبهات القتال، من شأن تنشيط العمليات في مأرب والجوف توسيع الضغط العسكري على الحوثيين، والحد من قدرتهم على تركيز قواتهم وإمكاناتهم في جبهات محددة، عبر إجبارهم على التعامل مع أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.

لكن محدودية التحركات والنتائج الميدانية المعلنة تثير تساؤلات بشأن أسباب عدم الاستفادة من القدرات المتاحة لتحقيق تأثير أكبر.

وكانت الحكومة اليمنية، بدعم من التحالف، قد عملت على إعادة هيكلة الوحدات العسكرية في المحافظتين، بهدف رفع كفاءتها القتالية والاستعداد لمواجهات محتملة مع الحوثيين. ومع ذلك، لا تزال التحركات في الجبهتين محدودة التأثير، وسط غياب توضيحات كافية بشأن أسباب ذلك ومدى الاستفادة من الإمكانات العسكرية الموجودة.

ضغط عسكري محدود على الحوثيين
تندرج التحركات في جبهتي مأرب والجوف ضمن مساعي الضغط على الحوثيين وتخفيف الهجمات التي تشنها الجماعة على مدينة تعز، غير أن نتائجها الميدانية لا تزال محدودة، خصوصاً في محافظة الجوف.

وتشكل مديرية خب والشعف الصحراوية نحو ثلثي مساحة الجوف، ما يجعل اتساع نطاقها الجغرافي عاملاً مهماً عند تقييم طبيعة العمليات العسكرية ونتائجها، في ظل التحديات التي تفرضها المسافات الواسعة على التحركات الميدانية.

أما في مأرب، فتتركز العمليات في المديريات المحيطة بعاصمة المحافظة، دون تسجيل تقدم ميداني واضح وفق المعطيات المتاحة. ويطرح ذلك تساؤلات بشأن قدرة العمليات الحالية على تجاوز الاشتباكات المحدودة واستهداف المواقع والتحصينات، وصولاً إلى تحقيق نتائج ملموسة في موازين السيطرة والضغط العسكري.

ويحتاج أداء القوات في الجبهتين إلى تقييم يحدد مدى قدرتهما على تخفيف الضغط عن القوات التي تواجه الحوثيين في تعز والساحل الغربي. فاستمرار محدودية النتائج قد يتيح للجماعة مواصلة تركيز قدراتها القتالية في هاتين الجبهتين، دون الاضطرار إلى توزيع مواردها على جبهات أخرى بالقدر الذي قد تفرضه عمليات أكثر فاعلية في مأرب والجوف.

عمليات متواصلة دون تحول ميداني واضح
تشير الإحاطات اليومية الصادرة عن القوات المسلحة اليمنية إلى استمرار المواجهات في المحافظتين، مع الإعلان عن استهداف مواقع وتحصينات وتجمعات للحوثيين باستخدام المدفعية والطائرات المسيّرة والطيران الحربي. لكن هذه الإعلانات لا تقدم، بمفردها، مؤشرات كافية على حدوث تحول ملموس في مسار العمليات.

ففي محافظة الجوف، أعلنت القوات المسلحة، بمساندة المقاومة الشعبية، خوض معارك ضد الحوثيين، مشيرة إلى أن وحدات المنطقة العسكرية السادسة هاجمت مواقع وتحصينات للجماعة على جبهات جنوب شرقي المحافظة، وألحقت بها خسائر بشرية ومادية، وفق البيانات العسكرية.

كما أعلنت استهداف ثكنات وتجمعات للحوثيين بالمدفعية والطائرات المسيّرة، وإعطاب آليات قتالية وتدميرها، إلى جانب تنفيذ غارات جوية استهدفت مخازن ومراكز وتجمعات للجماعة في المحافظة.

ورغم أهمية هذه العمليات في استهداف القدرات العسكرية، لا تتوافر ضمن الإعلانات المنشورة تفاصيل كافية لتحديد حجم التغيير الذي أحدثته في خطوط المواجهة، أو ما إذا كانت قد أسفرت عن تقدم ميداني مستدام.

وفي مأرب، أعلنت القوات المسلحة استمرار العمليات القتالية على امتداد جبهات المحافظة، وتكبيد الحوثيين خسائر بشرية ومادية.

وعلى الجبهة الشمالية، تحدثت البيانات العسكرية عن عمليات قتالية وهجومية نفذتها وحدات ضمن نطاق المنطقتين العسكريتين السادسة والسابعة، واستهدفت مواقع وتحصينات وقدرات عسكرية للحوثيين على خطوط المواجهة، بمشاركة المدفعية والطائرات المسيّرة.

أما في الجبهة الجنوبية، ضمن نطاق المنطقة العسكرية الثالثة، فأشارت البيانات إلى اندلاع معارك مع الحوثيين والتصدي لهجماتهم، بالتزامن مع استهداف تجمعاتهم وتحصيناتهم بالمدفعية والقوة الصاروخية، والإعلان عن تدمير أسلحة ومعدات وإعطابها، بينها قطع مدفعية وراجمة صواريخ.

وتعكس هذه الإعلانات استمرار النشاط العسكري في المحافظتين، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مستوى الفاعلية العملياتية أو حجم المكاسب الميدانية المتحققة. فهناك فرق بين استهداف المواقع والأسلحة وبين إحراز تقدم يغير خطوط المواجهة أو يجبر الحوثيين على إعادة توزيع قواتهم وإمكاناتهم.

اختبار الفاعلية العسكرية
لا تقتصر أهمية جبهتي مأرب والجوف على استمرار الاشتباكات فيهما، بل ترتبط بمدى قدرتهما على إحداث تأثير يتجاوز نطاقهما الجغرافي ويسهم في تخفيف الضغط عن الجبهات الأخرى.

وقد يؤدي استمرار العمليات دون نتائج ميدانية واضحة إلى الحد من قدرة الجبهتين على أداء هذا الدور، وإبقاء تأثيرهما في مسار المواجهة دون المستوى الذي قد تسمح به أهميتهما الجغرافية والعسكرية.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تقييم الأداء العسكري في المحافظتين بالاستناد إلى نتائج العمليات ومؤشرات التقدم الفعلي، بدلاً من الاكتفاء بحجم الاشتباكات أو عدد الإعلانات عن استهداف المواقع والتجمعات. كما أن تحديد أسباب محدودية النتائج يظل ضرورياً لفهم ما إذا كانت مرتبطة بطبيعة التحركات الجارية، أو بالقيود التي تواجه القوات، أو بعوامل أخرى لا توضحها المعطيات المتاحة.

في المحصلة، تمثل مأرب والجوف جبهتين يمكن أن تؤثرا في معادلة المواجهة مع الحوثيين، لكن تحويل هذه الإمكانية إلى مكاسب ملموسة يتوقف على فاعلية الأداء العسكري وقدرته على إحداث تغيير واضح في الميدان.

وإذا استمرت المواجهات ضمن حدودها الحالية دون مؤشرات على تقدم مؤثر، فقد يتمكن الحوثيون من مواصلة الضغط على تعز والساحل الغربي، فيما تبقى الإمكانات العسكرية المتاحة في مأرب والجوف أقل تأثيراً مما يمكن أن تحققه ضمن تحركات أوسع وأكثر فاعلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى