1

واشنطن وبكين… التكنولوجيا الحيوية في قلب الصراع

تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تشديد الرقابة على الاستثمارات الأميركية في شركات التكنولوجيا الحيوية الصينية، بذريعة حماية الأمن القومي، في خطوة قد تزيد تعقيد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، خصوصاً مع تزايد اعتماد شركات الأدوية الأميركية على الابتكارات والعلاجات التي تطورها الشركات الصينية.

واقترحت وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، إدراج التكنولوجيا الحيوية ضمن قائمة التقنيات الحساسة الخاضعة لقيود الاستثمار المرتبطة بالدول المنافسة، في إطار توسيع الإجراءات التي تشمل بالفعل قطاعات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة الكمومية.

وبموجب المقترح، سيتعين على المستثمرين الأميركيين إخطار الحكومة بشأن معاملات محددة تتعلق بشركات أجنبية تعمل في تقنيات حساسة، فيما ستُحظر معاملات أخرى بصورة كاملة. ولا تزال القواعد في مرحلة الاقتراح، ما يعني أن نطاقها النهائي قد يتغير بعد مراجعة الملاحظات المقدمة من الشركات والجهات المعنية.

واشنطن توسّع نطاق القيود على الصين

يمثل المقترح أحدث خطوة أميركية تستهدف الحد من وصول الصين إلى الاستثمارات والخبرات والتقنيات التي تعتبرها واشنطن ذات أهمية استراتيجية.

وسبق للكونغرس الأميركي أن أقر قانون الأمن البيولوجي، الذي يستهدف تقييد استخدام الوكالات الفيدرالية والشركات التي تتلقى تمويلاً حكومياً لخدمات شركات صينية محددة في مجال التكنولوجيا الحيوية أو الحصول عليها. وجاء القانون النهائي بنطاق أضيق من بعض المقترحات الأولية التي طُرحت خلال مناقشاته.

وانعكست التطورات الأخيرة على أداء عدد من الأسهم الصينية العاملة في القطاع، إذ تراجعت أسهم شركة «جينسكريبت» للتكنولوجيا الحيوية بنسبة وصلت إلى 14% قبل أن تقلص خسائرها في هونغ كونغ، فيما انخفضت أسهم «ديواليتي بيوثيرابيوتكس» بنسبة 4.6%، وأسهم مجموعة «سي إس بي سي» للأدوية بنسبة 3.4%.

وفي المقابل، تتحرك بكين أيضاً لتعزيز الرقابة على التقنيات الحيوية، بعدما اقترحت الأسبوع الماضي إدراج عدد من تقنيات الطب الحيوي ضمن قائمة مراقبة الصادرات، مع الإشارة إلى السماح باستمرار اتفاقيات ترخيص الأدوية.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، إن تقييد أنشطة التجارة والاستثمار لا يخدم مصالح أي طرف، داعية واشنطن إلى عدم عرقلة التعاون الاقتصادي والتجاري الطبيعي مع الشركات. وأضافت أن بكين ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة.

شركات الأدوية الأميركية أمام معادلة معقدة

تكتسب القيود المقترحة أهمية خاصة في ظل تنامي دور الشركات الصينية في ابتكار علاجات جديدة، واتجاه شركات الأدوية الأميركية بصورة متزايدة إلى الصين للحصول على تراخيص لأدوية واعدة، بهدف تطوير منتجاتها وتعزيز خطوط إنتاجها.

وتثير هذه العلاقة تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على الحد من الاستثمارات في التكنولوجيا الحيوية الصينية من دون التأثير في وصول الشركات الأميركية إلى الابتكارات التي تحتاج إليها لتطوير علاجات جديدة.

ولا تحظر القواعد المقترحة اتفاقيات ترخيص الأدوية بصورة صريحة، وفق تقديرات محللين في قطاع الرعاية الصحية، لكن تأثيرها قد يطال أشكالاً أخرى من التعاون، خصوصاً الاستثمارات المباشرة والمشروعات المشتركة.

ويبدأ المقترح بتعريف واسع للتكنولوجيا الحيوية، يشمل الجزيئات الصغيرة والمنتجات البيولوجية واللقاحات والعلاجات الخلوية والجينية. وقد يتيح هذا النطاق الواسع لوزارة الخزانة تعديل بعض الأحكام المتعلقة بالأدوية بعد تلقي ملاحظات الأطراف المعنية.

ومن المتوقع أن تتضح طبيعة التأثيرات المحتملة مع تقدم عملية إعداد القواعد النهائية، لا سيما أن القيود لن تدخل حيز التنفيذ بمجرد طرح المقترح.

واجهات الدماغ والحاسوب ضمن نطاق الاهتمام

لا تقتصر الإجراءات المقترحة على شركات الأدوية والعلاجات، بل تمتد أيضاً إلى شركات صينية تعمل في مجال واجهات الدماغ والحاسوب، وهي تقنيات تتيح التحكم في الأجهزة الإلكترونية من خلال إشارات الدماغ.

ويشهد هذا القطاع نمواً متزايداً في الولايات المتحدة والصين، مع تنافس الشركات على تطوير الغرسات والخوذات والأجهزة القادرة على تحويل النشاط العصبي إلى أوامر رقمية.

ويعكس إدراج هذه التقنيات ضمن نطاق الاهتمام الأميركي اتساع مفهوم الأمن التكنولوجي ليشمل مجالات تتجاوز الصناعات الرقمية التقليدية، وصولاً إلى التطبيقات الطبية والعصبية التي قد تحمل قيمة اقتصادية واستراتيجية في المستقبل.

تحذيرات من انعكاسات القيود على الابتكار والصحة العامة

أبدت مجموعات صناعية أميركية مخاوف من أن يؤدي توسيع القيود بصورة مفرطة إلى نتائج عكسية، عبر الإضرار بالشركات المحلية وتقليص فرص التعاون والوصول إلى العلاجات الجديدة.

وشملت الجهات التي عبّرت عن هذه المخاوف جمعية الأبحاث والمصنعين الدوائيين في أميركا، ومنظمة ابتكار التكنولوجيا الحيوية، وائتلاف «إنكيوبيت» الذي يضم مستثمرين في رأس المال الاستثماري بقطاع علوم الحياة.

وأكد رئيس منظمة ابتكار التكنولوجيا الحيوية، جون كراولي، أهمية التفاصيل التي ستتضمنها القواعد النهائية، مشيراً إلى أن تحقيق الأهداف الأميركية لا يمكن أن يعتمد على القيود وحدها.

وتبرز هذه التحذيرات حجم التحدي الذي تواجهه واشنطن في الموازنة بين اعتبارات الأمن القومي ومتطلبات المنافسة الاقتصادية، من جهة، والحفاظ على قدرة الشركات الأميركية على الوصول إلى الابتكارات والتقنيات الطبية من جهة أخرى.

ومع استمرار التنافس بين الولايات المتحدة والصين على التقنيات المتقدمة، تبدو التكنولوجيا الحيوية مرشحة لتصبح مجالاً إضافياً للتوتر بين البلدين، في وقت تتشابك فيه المصالح الاستثمارية مع الأبحاث الطبية وتطوير الأدوية. وسيعتمد حجم التأثير الفعلي للقيود على الصيغة النهائية للقواعد، ومدى قدرتها على التمييز بين الاستثمارات التي تعتبرها واشنطن حساسة والتعاون العلمي والتجاري الضروري لتطوير العلاجات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى