أخبــاربلاد الجوارنبض الساعةهيدلاينز

الصواريخ تهدد المشهد العراقي.. وبغداد تتحرك قبل الانفجار

تتحرك الحكومة العراقية لدفع ملف حصر السلاح بيد الدولة من دائرة التجاذبات السياسية إلى خطوات تنفيذية وقانونية، في محاولة للحد من مخاطر التصعيد الأمني وتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية، وسط خلافات بشأن مستقبل الفصائل المسلحة وترساناتها العسكرية، وتباين المواقف حيال آليات تنفيذ خطة نزع السلاح.

وتتزامن هذه التحركات مع ترتيبات مرتبطة بإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، في 30 سبتمبر/أيلول 2026، وتغيير طبيعة الوجود الأجنبي نحو العلاقات الثنائية، ما يضع ملف الأسلحة الصاروخية والطائرات المسيّرة ومنظومات القصف أمام مرحلة جديدة من النقاش بشأن دورها ومستقبلها.

خطة تدريجية لتسليم الأسلحة النوعية

تقوم الخطة الحكومية على مسار تدريجي يستهدف وضع الأسلحة الاستراتيجية والنوعية تحت سلطة الدولة، بما يشمل الصواريخ الباليستية ومنظومات الكاتيوشا والطائرات المسيّرة، إلى جانب تنظيم أوضاع التشكيلات المسلحة ضمن الأطر الرسمية.

وتسعى بغداد من خلال هذه الخطوات إلى تعزيز احتكار الدولة لقرار استخدام القوة، والحد من الهجمات التي قد تنطلق خارج إطار المؤسسات العسكرية والأمنية. كما تربط الحكومة هذا المسار بالتغيرات التي طرأت على طبيعة الوجود العسكري الأجنبي، في ظل تراجع المبررات المرتبطة بالمهام القتالية للتحالف الدولي.

لكن تنفيذ الخطة لا يقتصر على الجوانب العسكرية واللوجستية، بل يرتبط أيضاً بتفاهمات سياسية مع القوى التي تمتلك أجنحة مسلحة، وبمدى استعداد هذه الأطراف لقبول ترتيبات جديدة تحدد دورها داخل المنظومة الأمنية العراقية.

دعم سياسي يقابله اختلاف في المواقف

حظي مبدأ حصر السلاح بيد الدولة بدعم من شخصيات وكتل سياسية عراقية، من بينها رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، الذي اعتبر أن تنظيم السلاح وحصره يمثلان استحقاقاً وطنياً يستند إلى الدستور ومطالب داخلية، وليس استجابة لشروط تفرضها أطراف خارجية.

كما أعلن رئيس مجلس النواب دعمه للإجراءات الحكومية الرامية إلى حماية السلم الأهلي وإنفاذ القانون، مؤكداً ضرورة إخضاع السلاح لسلطة الدولة من دون استثناء أي طرف.

ويعكس هذا الدعم وجود تقاطع سياسي حول أهمية تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية، لكنه لا يعني بالضرورة التوصل إلى توافق بشأن آليات التنفيذ أو مصير جميع التشكيلات المسلحة، في ظل اختلاف حسابات القوى السياسية والأمنية.

تحفظات الفصائل تعرقل التنفيذ

في المقابل، تواجه الخطة تحفظات من فصائل مسلحة ترى أن الاحتفاظ بالسلاح يرتبط بمفهوم المقاومة والسيادة الوطنية، وليس بمجرد موقعها داخل النظام السياسي.

وتشير المواقف المعلنة لبعض هذه الفصائل إلى رفض التخلي الكامل عن قدراتها العسكرية قبل معالجة ملف الوجود الأجنبي في العراق. وقد عبّر الأمين العام لحركة النجباء، أكرم الكعبي، عن هذا التوجه، مؤكداً تمسكه بسلاح المقاومة وربطه بالسيادة وإنهاء الوجود الأجنبي.

وتتقاطع هذه المواقف مع توجهات معلنة لجهات مسلحة أخرى، بينها كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء، ما يجعل التوصل إلى تفاهم شامل بشأن تسليم الأسلحة أو إعادة تنظيم التشكيلات المسلحة مهمة معقدة.

وفي المقابل، قد تتيح المشاركة ضمن المؤسسات الرسمية لبعض القوى المسلحة الحفاظ على حضورها السياسي والأمني، لكن هذا الخيار يظل مرتبطاً بمدى قبولها بالضوابط الحكومية، وبالفصل بين الانتماء المؤسسي وامتلاك قرار عسكري مستقل.

المسار القضائي يرفع سقف المواجهة

لا تقتصر التحركات الحكومية على التفاوض السياسي، إذ يبرز المسار القانوني بوصفه أداة محتملة لفرض القرارات المتعلقة بحصر السلاح ومنع التحريض على مخالفتها.

وفي هذا الإطار، تبرز إمكانية تطبيق قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 وقانون العقوبات العراقي على الأفعال التي تنطبق عليها النصوص القانونية، بما فيها التحريض أو عرقلة تنفيذ قرارات الدولة، وفقاً لطبيعة كل واقعة والأدلة المتوافرة بشأنها.

ويمثل هذا التوجه محاولة لنقل الملف من دائرة التفاهمات السياسية وحدها إلى نطاق المساءلة القانونية، بما قد يرفع كلفة رفض القرارات الحكومية. غير أن فاعلية هذا المسار ستعتمد على تطبيق القانون بصورة متسقة، وقدرة المؤسسات القضائية والأمنية على تنفيذ قراراتها، وتجنب تحول الإجراءات إلى مواجهة سياسية أو أمنية أوسع.

الوجود التركي يعقد حسابات نزع السلاح

تواجه جهود بغداد تحدياً إضافياً يتمثل في ارتباط ملف السلاح بمطالب تتعلق بوجود القوات الأجنبية، ولا سيما القوات التركية المنتشرة في شمال العراق.

وتربط بعض الأطراف المسلحة التخلي عن ترساناتها بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وهو ما يضيف بُعداً إقليمياً إلى مسألة يفترض أن تحسمها المؤسسات العراقية ضمن إطار سيادتها القانونية.

في المقابل، تتمسك أنقرة باعتبارات أمن حدودها ومواجهة التهديدات التي تقول إنها تنطلق من الأراضي العراقية والسورية، ما يجعل التوصل إلى تفاهم بشأن الوجود العسكري التركي مرتبطاً بحسابات أمنية وسياسية تتجاوز حدود العلاقة بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة.

وتتداخل هذه الملفات مع مصالح أطراف إقليمية ودولية عدة، بينها تركيا وإيران والولايات المتحدة، الأمر الذي يزيد صعوبة فصل التفاهمات الداخلية عن التطورات المحيطة بالعراق.

بين الاحتواء والتصعيد.. اختبار لقدرة الدولة

تمنح التحركات الحكومية والمهل الزمنية بغداد فرصة لمحاولة إدارة ملف السلاح عبر التفاوض والإجراءات القانونية، بدلاً من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تحمل تداعيات أمنية وسياسية واسعة.

لكن نجاح الخطة سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على بناء توافقات قابلة للتنفيذ، وتوفير آليات واضحة لحصر الأسلحة ومراقبتها، وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية على متابعة المخازن والمنشآت العسكرية، فضلاً عن معالجة الخلافات المتعلقة بالوجود الأجنبي.

كما أن غياب معلومات دقيقة وشاملة عن مواقع بعض مخازن السلاح، إلى جانب تمسك فصائل بمواقفها الرافضة للتخلي عن قدراتها العسكرية، قد يعرقل التنفيذ ويطيل المرحلة الانتقالية.

وبذلك، لا يقتصر الاختبار أمام بغداد على إعلان مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، بل يمتد إلى تحويله إلى واقع مؤسسي يضمن وحدة القرار الأمني، ويحد من احتمالات التصعيد، ويحافظ على الاستقرار الداخلي في ظل التوازنات الإقليمية المعقدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى