واشنطن تعيد حسابات الحرب.. هل انتهى زمن القواعد الآمنة؟

حذّر مسؤولون عسكريون أميركيون من أن الحروب الكبرى المقبلة قد لا تقتصر على ساحات القتال خارج الولايات المتحدة، بل قد تمتد تداعياتها إلى الداخل الأميركي، في ظل التطور المتسارع للطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والأسلحة بعيدة المدى، وما يمكن أن تمثله من تهديد للقواعد العسكرية وشبكات النقل والاتصالات وخطوط الإمداد.
وقال الجنرال كريستوفر لانيڤ، نائب رئيس أركان الجيش الأميركي والقائم بأعمال رئيس الأركان، إن مواجهة خصم يمتلك قدرات استراتيجية متقدمة ستجعل نقل القوات الأميركية إلى مسارح العمليات أكثر تعقيداً، مشيراً إلى أن القدرة على حشد القوة العسكرية وإيصالها إلى مناطق القتال ستصبح موضع تنافس متزايد.
وأوضح أن الجيش الأميركي يعيد تقييم افتراضات عسكرية سادت خلال عقود العمليات في العراق وأفغانستان، عندما كانت القوات تعتمد على قواعد آمنة نسبياً وشبكات إمداد واتصالات مستقرة داخل الولايات المتحدة، قبل انتقالها إلى ساحات القتال.
الصين في صلب المخاوف الأميركية
تأتي الصين في مقدمة مصادر القلق لدى المؤسسة العسكرية الأميركية، إذ يحذر تقرير لوزارة الدفاع الأميركية بشأن القدرات العسكرية الصينية من وجود قدرات سيبرانية صينية داخل شبكات البنية التحتية الحيوية الأميركية، يمكن استخدامها، وفق التقييم الأميركي، لتعطيل التحركات العسكرية وعمليات التعبئة في حال اندلاع مواجهة.
وتتزامن هذه المخاوف مع تزايد الاهتمام بحوادث رصد طائرات مسيّرة فوق مواقع عسكرية أميركية، من بينها قاعدة لانغلي-يوستيس المشتركة في ولاية فرجينيا وترسانة بيكاتيني في نيوجيرسي، من دون إعلان مسؤولية الصين عن تلك الحوادث.
ولا تقتصر التحديات على الهجمات السيبرانية والمسيّرات، بل تشمل أيضاً احتمالات استهداف شبكات النقل والاتصالات ومراكز الإمداد، بما قد يعرقل انتقال القوات والمعدات إلى مناطق العمليات قبل وصولها إلى خطوط المواجهة.
عقيدة عسكرية لمواجهة انقطاع الاتصالات
في إطار الاستعداد لهذه السيناريوهات، طرح الجيش الأميركي تصوراً عملياتياً جديداً بعنوان «كيف يقاتل الجيش؟»، يركز على تطوير التدريب وأساليب القيادة والسيطرة، وتعزيز قدرة الوحدات على مواصلة مهامها حتى في حال تعرض القواعد أو خطوط الإمداد أو شبكات الاتصالات للهجوم.
وأشار لانيڤ إلى أن الجيش يعمل على تطوير قدرات تتيح للوحدات مواصلة المناورة والقتال عند انقطاع الاتصالات، ثم استعادة التواصل عندما تسمح الظروف بذلك، في محاولة لتقليل الاعتماد على استمرار عمل الأنظمة الرقمية طوال الوقت.
وتعكس هذه المقاربة توجهاً نحو إعداد القوات للعمل في بيئات تتعرض فيها الاتصالات للتشويش أو التعطيل، وتصبح فيها القدرة على اتخاذ القرار بصورة مستقلة عاملاً أساسياً في استمرار العمليات العسكرية.
وفي السياق نفسه، يضطلع فريق العمل المشترك بين الوكالات رقم 401 بدور في تعزيز الدفاعات المضادة للطائرات المسيّرة حول القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية، بالتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون الفيدرالية والمحلية.
وقال القائم بأعمال وزير الجيش الأميركي آدم تيل إن العمليات على الحدود الجنوبية توفر فرصة لاختبار تقنيات جديدة لمواجهة المسيّرات في ظروف ميدانية واقعية، بما يساعد الجنود على اكتساب خبرات يمكن توظيفها في النزاعات المستقبلية.
تهديدات بيولوجية ومراقبة أكثر تطوراً
تشمل الاستعدادات الأميركية أيضاً إدراج الحوادث البيولوجية ضمن التدريبات العسكرية الدورية، تحسباً لاحتمالات تفشي الأمراض أو وقوع هجمات بيولوجية متعمدة قد تؤثر في جاهزية القوات وتعطل العمليات.
وفي موازاة ذلك، حذّر وزير القوات الجوية الأميركية تروي مينك من أن التطور السريع في تقنيات المراقبة سيجعل إخفاء مواقع القوات أكثر صعوبة، مع توسع قدرات الصين وخصوم آخرين على تعقب الأهداف وتحديد مواقعها.
وأشار إلى أن هذه التقنيات قد تصل خلال السنوات الخمس المقبلة، وربما قبل ذلك، إلى مستوى يمكّن الخصوم من تكوين صورة دقيقة عن مواقع القوات، اعتماداً على بصمتها وسرعة تحركها وغيرها من المؤشرات القابلة للرصد.
ولمواجهة هذه المخاطر، تعمل وزارة الدفاع الأميركية على تعزيز قدرة قواتها على البقاء والعمل في البيئات عالية الخطورة، بما يشمل توسيع الاعتماد على الأنظمة ذاتية التشغيل، وتقليل تعرض الأفراد للمخاطر في بعض المهام.
سباق تكنولوجي يعيد الاعتبار إلى الجندي
في سياق متصل، انتقد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ما وصفه بتأخر وزارة الدفاع خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن في مواكبة التطورات التكنولوجية في مجالات الأسلحة فرط الصوتية والفضاء وتسليح الفضاء والطائرات المسيّرة.
ورغم التوسع في توظيف التكنولوجيا والأنظمة ذاتية التشغيل، شدد لانيڤ على أن الجندي سيظل العنصر الأساسي في القوة العسكرية الأميركية، مؤكداً أهمية الحفاظ على المهارات القتالية والقدرة على تنفيذ المهام حتى عند تعطل الأنظمة الرقمية أو انقطاع الاتصالات.
وتشير هذه التحذيرات إلى مراجعة متزايدة للمفاهيم التي حكمت التخطيط العسكري الأميركي لعقود، ولا سيما افتراض أن الأراضي الأميركية تمثل قاعدة آمنة تنطلق منها العمليات الخارجية. فمع تطور قدرات الهجوم السيبراني والمسيّرات والمراقبة بعيدة المدى، بات التخطيط العسكري يضع في الحسبان احتمال تعرض البنية التحتية داخل الولايات المتحدة للتهديد خلال أي مواجهة كبرى.




