من بوينس آيرس إلى لندن.. فوكلاند تشعل خلافاً جديداً

يتصاعد الخلاف بين بريطانيا والأرجنتين بشأن جزر فوكلاند، مع اتجاه بوينس آيرس إلى توسيع نطاق تحركاتها القانونية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية للضغط على لندن، في استراتيجية تربطها تقارير إعلامية بأساليب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إدارة المواجهات السياسية.
وبحسب تقارير صحافية، تلقى الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وفق مصادر مقربة منه، ما يشبه خطة للتحرك على عدة جبهات بهدف تكثيف الضغط على الحكومة البريطانية بشأن الجزر، مع احتمال الحصول على دعم أميركي إضافي في مرحلة لاحقة.
النفط في صلب المواجهة
وفي أحدث خطوات التصعيد، هدد ميلي باتخاذ إجراءات قانونية ضد الحكومة البريطانية ما لم توقف مشروع حقل «سي ليون» النفطي، الذي تشارك فيه شركات بريطانية وإسرائيلية قبالة سواحل فوكلاند. ووصف المشروع بأنه استغلال غير قانوني للموارد التي تعتبرها الأرجنتين تابعة لها.
كما لوّح الرئيس الأرجنتيني باللجوء إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، في وقت اتخذت فيه حكومته خطوات قانونية شملت تقديم شكاوى جنائية والسعي إلى فرض عقوبات، إلى جانب التوجه إلى الشرطة الدولية «الإنتربول» لاتخاذ إجراءات بحق مسؤولين تنفيذيين وشركات مرتبطة بمشروع التنقيب.
وتسعى بوينس آيرس، من خلال هذه التحركات، إلى زيادة الضغوط على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالجزر، في إطار مساعيها لتأكيد مطالبتها بالسيادة عليها.
خلاف تاريخي حول السيادة
تتمتع جزر فوكلاند بحكم ذاتي ضمن الأقاليم البريطانية وراء البحار، فيما تتمسك لندن بأن حق سكان الجزر في تقرير مصيرهم يمثل أساساً لموقفها بشأن مستقبلها. في المقابل، تؤكد الأرجنتين أحقيتها بالسيادة على الجزر، ما يبقي الخلاف قائماً رغم مرور عقود على المواجهة العسكرية بين البلدين.
ويعود النزاع إلى واجهة الأحداث باستمرار منذ حرب عام 1982، عندما سيطرت القوات الأرجنتينية على الجزر، قبل أن تندلع حرب مع بريطانيا انتهت باستعادة لندن السيطرة عليها.
خطاب سياسي يتجاوز ملف الجزر
ولا تقتصر التحركات الأرجنتينية على الجوانب القانونية والاقتصادية، إذ دخلت القضية أيضاً في الخطاب السياسي المحيط بميلي. ونُقل عن سانتياغو كابوتو، مستشار الرئيس الأرجنتيني والمقرب منه، ربطه المطالبة باستعادة الجزر بما وصفه بـ«استعمار بريطانيا بالإسلام»، مقدماً القضية في إطار أوسع يتعلق بالدفاع عن الغرب.
ويتقاطع هذا الخطاب مع مواقف يتبناها ترامب ونائبه جيه دي فانس بشأن الإسلام والهجرة في أوروبا، بما يضيف بعداً أيديولوجياً إلى نزاع يرتكز أساساً على السيادة والحقوق السياسية والموارد الاقتصادية.
توتر دبلوماسي ومخاوف اقتصادية
وعلى الصعيد الدبلوماسي، غادر السفير البريطاني لدى الأرجنتين ديفيد كيرنز مأدبة رسمية قبل انتهائها، عقب انتقاد وزير الخارجية الأرجنتيني ما وصفه بـ«الاحتلال البريطاني» للجزر والاستغلال غير القانوني لمواردها.
وفي ظل اتساع الخلاف، حذّر مصدر في السفارة البريطانية من احتمال انتقال الضغوط الأرجنتينية إلى محاولة إضعاف اقتصاد الجزر، بما قد يرفع كلفة استمرار الوضع القائم على لندن.
وزادت تصريحات ترامب بشأن فوكلاند من الجدل المحيط بالقضية، بعدما أشار إلى أن الجزر «بعيدة جداً عن بريطانيا»، ما أثار تساؤلات بشأن موقف واشنطن من النزاع، وإن كانت هذه التصريحات لا تكفي وحدها لإثبات حدوث تغيير رسمي في السياسة الأميركية.
وبين التحركات القانونية والضغوط الاقتصادية والتوتر الدبلوماسي، تسعى حكومة ميلي إلى إعادة ملف فوكلاند إلى صدارة الاهتمام الدولي. لكن قدرة هذه الاستراتيجية على تغيير الوضع القائم ستظل مرتبطة بمواقف بريطانيا وسكان الجزر، فضلاً عن طبيعة الدعم الذي قد تقدمه الولايات المتحدة للأرجنتين.




