50 درجة تثير القلق.. مدن أوروبية تستعد لموجة حر قاسية

لم يعد الاحترار العالمي تهديداً مؤجلاً للمستقبل، بل أصبح أزمة تضرب المدن والسكان بشكل مباشر، مع تزايد موجات الحر الشديد التي تحصد آلاف الأرواح وتفرض على المدن الكبرى إعادة النظر في بنيتها التحتية وخطط الطوارئ لمواجهة درجات الحرارة المتطرفة.
وتشير تقديرات إلى أن موجات الحر التي اجتاحت أوروبا ومناطق أخرى من العالم أودت بحياة أكثر من 14 ألف شخص، فيما تتزايد المخاوف من موجات أشد قسوة خلال السنوات المقبلة، مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالمياً.
وفي مواجهة هذا الواقع، بدأت مدن كبرى في تبادل الخبرات حول أفضل الطرق للتعامل مع الحرارة الشديدة، من خلال تطوير البنية التحتية، وتوسيع المساحات الخضراء، وتوفير أماكن للتبريد، وتعزيز خطط الاستجابة للطوارئ.
وتبرز مدينة فينيكس الأميركية، الواقعة في ولاية أريزونا، نموذجاً لافتاً في هذا المجال، بعدما أنشأت أول مكتب بلدي متخصص في مواجهة موجات الحر. وتتعامل المدينة مع ارتفاع درجات الحرارة باعتباره قضية ترتبط بالبنية التحتية والنقل والإسكان والصحة العامة.
وتُلزم البلدية بتوفير تغطية بالظل تصل إلى 75% في المشاريع الجديدة الواقعة ضمن المناطق التي تشهد حركة كثيفة للمشاة، كما استخدمت تقنيات لتبريد الطرق على امتداد نحو 300 كيلومتر من الشوارع.
وتفرض أنظمة محلية على أصحاب العقارات الحفاظ على درجات حرارة داخلية لا تتجاوز 28 درجة مئوية في المنازل، بالتزامن مع توفير مراكز تبريد عامة للفئات الأكثر عرضة لمخاطر الحرارة.
وأظهرت هذه الإجراءات نتائج ملموسة، إذ تراجعت نداءات الطوارئ المرتبطة بأضرار الحرارة بنسبة 20% خلال صيف 2024، الذي سجل مستويات قياسية من الحرارة في المدينة.
وفي أوروبا، تواجه المدن تحدياً إضافياً بسبب البنية التحتية التاريخية التي صُممت في الأصل للتعامل مع مناخ أكثر برودة، ما يجعل التكيف مع الحرارة المتزايدة مسألة هندسية وتنظيمية في الوقت نفسه.
وفي باريس، بات بإمكان السكان الوصول خلال نحو 7 دقائق سيراً على الأقدام إلى واحد من 1,400 موقع مخصص للتبريد داخل المدينة، في إطار خطط للتعامل مع موجات الحر الشديدة.
كما أجرت العاصمة الفرنسية في أكتوبر 2023 مناورة واسعة تحت اسم “باريس عند 50 درجة”، بهدف اختبار قدرة أجهزة الطوارئ والخدمات العامة على التعامل مع سيناريو ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات شديدة التطرف.
وفي ميلانو، تركز خطط التكيف على إعادة تصميم المساحات العامة من خلال مشروع “الساحات المفتوحة”، الذي يستهدف استبدال أجزاء من الإسفلت والخرسانة بمناطق خضراء وزيادة زراعة الأشجار.
وتسعى المدينة، ضمن خططها طويلة الأمد، إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة المحلية بنحو درجتين مئويتين بحلول عام 2050، عبر توسيع الغطاء النباتي وتعديل تصميم المناطق الحضرية.
ويُعد الحر الشديد من أكثر المخاطر المناخية فتكاً، إذ تشير تقديرات إلى أنه يتسبب في وفاة أكثر من نصف مليون شخص سنوياً حول العالم.
ومع تصاعد المخاطر، يطالب مسؤولون في عدد من المدن الحكومات المركزية بمنح السلطات المحلية صلاحيات وميزانيات أكبر لتنفيذ خطط التكيف، معتبرين أن مواجهة الحرارة لم تعد قضية مناخية فقط، بل أصبحت تحدياً سياسياً وصحياً وعمرانياً يتطلب تحركاً سريعاً.
وبين ارتفاع أعداد الوفيات وإعادة تصميم الشوارع والمساحات العامة، تتحول مواجهة الحرارة الشديدة إلى اختبار لقدرة المدن والحكومات على التكيف مع واقع مناخي أكثر قسوة، في ظل توقعات باستمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الطقس المتطرف.




