من طهران إلى الحدود التركية.. أزمة تتسع داخل إيران

تتراكم، وفق تقدير الباحث في الشؤون الإيرانية بني سبتي، مؤشرات على تصاعد الغضب الشعبي والضغوط الاقتصادية والمخاوف داخل إيران، في وقت لا يزال الشارع، بحسب وصفه، مترددًا في الانتقال إلى احتجاجات واسعة، بينما يسعى النظام إلى الحفاظ على تماسكه عبر أدوات أمنية وإعلامية، بالتزامن مع تحركات معارضة في الخارج لرسم ملامح مرحلة ما بعد النظام.
وفي مقابلة عبر إذاعة «103FM»، تناول سبتي خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب الوضع الاقتصادي والتحركات المعارضة في الخارج، ولا سيما النشاط المرتبط بولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي.
وقال سبتي إن النظام الإيراني ينقسم، وفق رؤيته، إلى جناحين سياسي وعسكري، معتبرًا أن النشاط السياسي الخارجي لا يملك تأثيرًا حاسمًا في طريقة إدارة النظام للبلاد. وأضاف أن المشاركة في الاجتماعات الدولية والخطابات السياسية لا تؤدي، من وجهة نظره، إلى تغيير جوهري في آليات عمل النظام.
وانتقل الباحث إلى الوضع الاقتصادي، معتبرًا أنه قد يصبح أحد العوامل التي تدفع الإيرانيين نحو احتجاجات أوسع. وقال إن مؤشرات الاقتصاد الكلي والجزئي تعكس تراجعًا كبيرًا، مضيفًا أن تدهور القدرة الشرائية وانخفاض قيمة الدخول يدفعان بعض الإيرانيين إلى البحث عن فرص للخروج من البلاد.
وأشار سبتي إلى وجود تجمعات عند الحدود البرية مع تركيا، معتبرًا أن ذلك يعكس، بحسب وصفه، تصاعد رغبة بعض الإيرانيين في مغادرة البلاد، بالتوازي مع ما وصفه باستمرار الإجراءات الأمنية في الشوارع.
وفي المقابل، قال إن الخوف لا يزال حاضرًا لدى قطاعات من الشارع الإيراني، وربط ذلك أيضًا بما اعتبره تضاربًا في الرسائل الصادرة من الخارج، ولا سيما مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه طهران.
وأوضح أن الإيرانيين يواجهون، بحسب تقديره، رسائل متباينة بين التهديد بتغيير النظام من جهة، والحديث عن المفاوضات وإمكان التوصل إلى اتفاق من جهة أخرى، وهو ما ينعكس على استعداد الشارع للتحرك.
وتحدث سبتي كذلك عن انتشار مقاطع مصورة لحفلات ومناسبات ترفيهية في إيران خلال الفترة الأخيرة، معتبرًا أنها لا تقدم بالضرورة صورة موحدة عن مستوى الحريات في البلاد.
وقال إن هناك تفاوتًا في تطبيق القيود الاجتماعية بين مناطق مختلفة من طهران، مدعيًا أن بعض الفئات المرتبطة بالنظام تتمتع بهامش أكبر من الحرية، بينما تواجه فئات أخرى إجراءات أكثر تشددًا.
ورأى أن هذا التباين يُستخدم، وفق تقديره، لإظهار صورة مختلفة عن الواقع الداخلي، في حين تبقى الإجراءات الأمنية حاضرة في مناطق أخرى من العاصمة.
ووصف سبتي الوضع الداخلي بأنه يتسم، بحسب تقديره، بالغضب المكبوت، وقال إن هناك طاقة اجتماعية معارضة للنظام لم تتحول بعد إلى احتجاج واسع، مشيرًا في الوقت نفسه إلى استمرار ما وصفه بـ«هجرة العقول».
وأضاف أن مغادرة المهندسين والأطباء وغيرهم من أصحاب الاختصاص تمثل خسارة للبلاد، في ظل صعوبات اقتصادية وأمنية تدفع بعض الإيرانيين إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد.
وفي الجانب السياسي، تناول سبتي نشاط رضا بهلوي في الخارج، مشيرًا إلى لقاءاته وتحركات أنصاره، بما في ذلك فعاليات ذات طابع اقتصادي، معتبرًا أن هذه التحركات تهدف إلى بناء تصور للمرحلة التي قد تلي النظام الحالي.
لكنه رأى أن المعارضة في الخارج لا تزال تواجه تحديًا يتمثل في كيفية الانتقال من طرح تصورات بشأن «اليوم التالي» إلى امتلاك آليات عملية لتنظيم تحرك سياسي قادر على إحداث تغيير داخل إيران.
وبذلك، يقدم سبتي قراءة للوضع الإيراني تقوم على تداخل الضغوط الاقتصادية مع الغضب الاجتماعي والهجرة، في مقابل استمرار أدوات النظام الأمنية والسياسية، بينما تحاول قوى معارضة في الخارج بلورة تصور للمرحلة المقبلة، من دون أن تكون قد حسمت، وفق هذا التقييم، آليات الانتقال من النشاط السياسي إلى تغيير فعلي داخل البلاد.




