تقاريرنبض الساعةنبض خاصهيدلاينز

سوريا تعود إلى خريطة الطاقة.. بانياس بوابة نفطية إلى العراق

ممر جديد
بدأت شحنات بنزين مستوردة مخصصة لـ العراق بالانتقال براً من ميناء بانياس السوري إلى الأراضي العراقية، في تطور يفتح مساراً جديداً لتجارة الطاقة عبر سوريا، ويعيد الموانئ والطرق السورية إلى واجهة حركة إمدادات النفط بين البحر المتوسط والعراق.

وتكتسب الخطوة أهمية تتجاوز الشحنة الحالية، إذ تجعل سوريا حلقة وصل بين خطوط الإمداد البحرية القادمة من الأسواق العالمية وشبكة النقل البرية المتجهة شرقاً، في وقت تبحث فيه بغداد عن بدائل لمسارات الطاقة المتأثرة باضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.

أول شحنة
وصلت أول شحنة مخصصة للعراق إلى ميناء بانياس على متن الناقلة «أفانتي»، حاملة نحو 32.8 ألف طن متري من البنزين، قبل تفريغ الحمولة في خزانات المرفأ وإعادة تحميلها في صهاريج برية متجهة إلى العراق.

وبحسب مسؤول في الشركة السورية للبترول، غادرت 77 شاحنة بانياس بالفعل باتجاه الحدود العراقية، فيما استمرت عمليات التحميل مع توقع وصول شحنات إضافية.

وأكد المسؤول أن البنزين لم يُنتج في سوريا، ولم يُسحب من المخزونات المخصصة للسوق المحلية، ما يعني أن الدور السوري في هذه العملية يتمثل أساساً في العبور والتخزين والخدمات اللوجستية.

سوريا كحلقة وصل
تكشف العملية عن تحول مهم في وظيفة البنية التحتية النفطية السورية. فبانياس لا يعمل هنا كسوق نهائية للوقود، بل كمحطة وسيطة تستقبل الشحنات بحراً، قبل نقلها براً إلى العراق.

وبذلك يتشكل مسار ثنائي الاتجاه للطاقة عبر الأراضي السورية؛ فبعد أن استخدم العراق الأراضي السورية لنقل النفط ومشتقاته باتجاه الساحل ثم شحنها إلى الأسواق الخارجية، بدأ الاتجاه المعاكس مع وصول منتجات نفطية إلى بانياس قبل نقلها إلى العراق.

وهذا التطور يمنح سوريا موقعاً لوجستياً مهماً بين المتوسط الغربي وشبكة الطاقة العراقية شرقاً، ويعيد إحياء وظيفة تاريخية للموانئ والطرق السورية باعتبارها ممراً محتملاً لحركة النفط والمنتجات النفطية.

أرقام تكشف التحول
تشير البيانات الرسمية الواردة في المعطيات السورية إلى أن ميناء بانياس استقبل منذ بداية عام 2026 عشرات الناقلات المحملة بالمشتقات النفطية، بالتزامن مع عبور كميات كبيرة من النفط العراقي عبر الأراضي السورية باتجاه الساحل.

ويشير ذلك إلى أن الدور الذي تؤديه سوريا في تجارة الطاقة لا يقتصر على عملية البنزين الحالية، بل يتجه نحو بناء شبكة أوسع من خدمات العبور والتخزين والنقل، يمكن أن تستفيد منها بغداد في تنويع مسارات وارداتها وصادراتها.

عقد للعبور
تجري العملية الحالية بموجب ترتيبات تعاقدية بين الشركة السورية للبترول وشركة قطرية تتولى توريد الوقود والإشراف على نقله، فيما أُبرم عقد لتزويد العراق بالبنزين المحسن عبر ميناء بانياس بواسطة الصهاريج البرية.

ويقتصر الاتفاق الحالي على البنزين، مع وجود إمكانية لتوسيع نطاق المسار مستقبلاً ليشمل مشتقات نفطية أخرى أو النفط الخام أو سلعاً إضافية، وفق الاتفاقيات التي قد تبرم لاحقاً.

هرمز يدفع نحو البدائل
جاء تشغيل المسار الجديد في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الأمر الذي دفع العراق إلى البحث عن طرق بديلة لتأمين إمدادات الطاقة وعدم الاعتماد على مسار بحري واحد.

وتقول بغداد إنها تعتزم تطوير طرق بديلة عبر سوريا حتى في حال عودة حركة الملاحة في هرمز إلى مستوياتها المعتادة، ما يشير إلى أن المسار السوري قد يتحول من حل مؤقت إلى جزء من استراتيجية أوسع لتنويع طرق التجارة والطاقة.

ما بعد البنزين
أهمية بانياس لا تتوقف عند شحنات الوقود الحالية. فقد استُخدم المسار السوري أيضاً لنقل النفط العراقي براً إلى الساحل، قبل تحميله بحراً باتجاه الأسواق الخارجية، في نموذج يوضح إمكانية الجمع بين الموانئ السورية وشبكات النقل البرية العراقية لتشكيل ممر تجاري عابر للحدود.

كما يجري بحث مشاريع أطول مدى لتطوير ممرات لنقل النفط الخام بين العراق وسوريا، ما يفتح الباب أمام إعادة بناء دور سوريا في خريطة الطاقة الإقليمية، وإن كانت هذه المشاريع تحتاج إلى بنية تحتية واستثمارات وفترات تنفيذ أطول بكثير من مسار الصهاريج الحالي.

سوريا على خريطة الطاقة
يحمل انتقال البنزين من بانياس إلى العراق دلالة أوسع من كونه عملية نقل تجارية محدودة؛ فهو يعكس عودة الجغرافيا السورية إلى حسابات أمن الطاقة الإقليمي.

فالساحل السوري يمنح العراق منفذاً إلى البحر المتوسط، فيما توفر الأراضي السورية ممراً برياً بين الموانئ وشبكة الأسواق والطرق العراقية. وإذا توسعت هذه العمليات لتشمل مشتقات نفطية أخرى أو النفط الخام، فقد يتحول هذا المسار تدريجياً إلى جزء من شبكة إقليمية أوسع لتدفق الطاقة.

وفي الوقت الراهن، يمثل مسار بانياس–العراق اختباراً عملياً لقدرة سوريا على استعادة دورها كممر للطاقة، بينما ستحدد الاستثمارات والبنية التحتية والاستقرار الإقليمي ما إذا كان هذا الدور سيتحول من مسار عبور مؤقت إلى ممر نفطي استراتيجي طويل الأمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى