أخبــاربوصلة الشام

اشتباكات إنخل تعيد ملف السلاح المنفلت في درعا

أعادت اشتباكات مسلحة اندلعت، الجمعة، في مدينة إنخل بريف درعا الشمالي، ملف انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية إلى الواجهة، بعدما تحول خلاف بين عائلتين إلى مواجهة استخدمت فيها الأسلحة والقنابل اليدوية، وأسفرت وفق المعطيات الأولية عن إصابة عدد من الأشخاص، قبل تدخل قوى الأمن الداخلي لفض الاشتباك واحتواء التوتر.

وتأتي الحادثة في ظل تكرار خلافات محلية في محافظة درعا تتحول إلى مواجهات مسلحة، ما يفتح النقاش مجدداً حول أسباب استمرار انتشار السلاح، وصعوبة ضبطه، وحدود الدور الذي يمكن أن يؤديه الوجهاء والعشائر في احتواء النزاعات، مقابل المسؤولية الأمنية والقانونية للدولة.

ثقافة حمل السلاح

يرى إبراهيم سليم الحريري، أحد وجهاء ريف درعا، أن انتشار ثقافة حمل واقتناء السلاح بين الشباب يمثل أحد العوامل الرئيسية التي تدفع الخلافات إلى التحول السريع إلى مواجهات مسلحة.

وقال إن الخلافات والمشكلات موجودة في مختلف المجتمعات، لكن وجود السلاح في متناول أطراف النزاع يوفر وسيلة لتصعيدها، بحيث يمكن أن تبدأ المشكلة بمشاجرة محدودة قبل أن تنتهي بإطلاق النار وسقوط مصابين أو قتلى.

وأشار إلى أن الطبيعة العشائرية في أجزاء من محافظة درعا تجعل التدخل المبكر لاحتواء الخلافات أكثر أهمية، داعياً إلى التعامل مع ثقافة حمل السلاح من خلال التوعية التي تبدأ داخل الأسرة وتمتد إلى المجتمع والشباب.

وأضاف أن بعض النزاعات التي شهدتها المنطقة بدأت من خلافات بسيطة، بينها مشاجرات بين أطفال، قبل أن تتفاقم نتيجة عدم احتوائها في مراحلها الأولى.

دور الوجهاء في احتواء النزاعات

وانتقد الحريري تأخر تدخل بعض الوجهاء في النزاعات المحلية، معتبراً أن التحرك في المراحل الأولى يمكن أن يساعد في منع وصول الخلافات إلى استخدام السلاح.

وأوضح أن تدخل الوجهاء بعد مرور فترة طويلة على بداية المشكلة، أو بعد سقوط ضحايا، يقلل من فرص التوصل إلى تسوية، مشدداً على ضرورة التحرك فور ظهور مؤشرات التوتر.

لكنه أكد في الوقت نفسه أن مهمة جمع السلاح وحصره لا تقع على عاتق الوجهاء، وإنما هي مسؤولية الدولة ومؤسساتها الأمنية، فيما يتركز الدور الاجتماعي والعشائري في المصالحة واحتواء الخلافات ومنع توسعها.

المخدرات والثأر عوامل إضافية

من جانبه، قال العميد منير الحريري إن تحول الخلافات العائلية إلى مواجهات مسلحة لا يقتصر على درعا، بل يظهر في مناطق وأرياف سورية أخرى.

وربط تكرار هذه الحوادث بانتشار السلاح غير المنضبط، والعصبيات العائلية والعشائرية، إضافة إلى المخدرات ودوافع الانتقام والثأر.

وأشار كذلك إلى ملف العدالة الانتقالية، موضحاً أن تأخر معالجة بعض القضايا المرتبطة بالمرحلة السابقة قد يسهم في استمرار التوترات المحلية، ولا سيما في الحالات التي تتضمن اتهامات لأشخاص بارتكاب انتهاكات سابقة.

وأوضح أن الخلافات في القرى قد تبدأ لأسباب بسيطة، لكنها تتطور بسرعة عندما يكون السلاح متاحاً لأطراف النزاع.

من أين جاء السلاح؟

ويربط منير الحريري جزءاً من انتشار الأسلحة بالمرحلة التي أعقبت سقوط النظام السابق، عندما خرجت كميات من الأسلحة من المعسكرات والمستودعات ووصلت إلى أيدي مدنيين.

وأضاف أن الأمر شمل أنواعاً مختلفة من الأسلحة الموجودة في المواقع العسكرية، بينما اتجه المدنيون بصورة أكبر إلى الاحتفاظ بالبنادق والمسدسات والأسلحة الفردية.

وأشار إلى عدم وجود تقديرات دقيقة لأعداد قطع السلاح المنتشرة في البلاد، في ظل الكميات الكبيرة التي كانت موجودة في مستودعات القوات التابعة للنظام السابق، لافتاً إلى أن احتفاظ بعض المواطنين بالأسلحة التي حصلوا عليها خلال تلك المرحلة جعل التخلي عنها لاحقاً أكثر صعوبة.

الحاجة إلى قانون ينظم حمل السلاح

ودعا منير الحريري إلى الإسراع في وضع إطار قانوني واضح ينظم حيازة الأسلحة وحملها، ويحدد الأشخاص الذين يحق لهم الحصول على تراخيص، إلى جانب تحديد أنواع الأسلحة المسموح باقتنائها وشروط استخدامها.

واعتبر أن استمرار ظاهرة إطلاق النار في الأعراس والمناسبات يعكس جانباً من مشكلة انتشار السلاح، محذراً من أن وجود الأسلحة في أيدي المدنيين قد يؤدي إلى وقوع إصابات بين أصحابها أو المحيطين بهم حتى قبل استخدامها في نزاعات مسلحة.

ورأى أن معالجة المشكلة تتطلب ضبط السلاح غير المنظم بالتوازي مع وضع تشريعات واضحة، بحيث يخضع حمل السلاح واستخدامه لقواعد قانونية تنطبق على الجميع.

لماذا تختلف صعوبة ضبط السلاح بين المناطق؟

وقال الحريري إن عملية ضبط السلاح لم تكتمل على مستوى البلاد، وإن كميات من الأسلحة لا تزال موجودة لدى مدنيين وعشائر ومجموعات مختلفة.

وأوضح أن ضبط السلاح قد يكون أكثر سهولة في المدن الرئيسية نتيجة التركيز الأمني، بينما تصبح المهمة أكثر تعقيداً في المناطق الريفية والمفتوحة والحدودية.

وأشار إلى أن الجهات الأمنية قد تعطي الأولوية لمناطق معينة بناءً على تقييم مستوى المخاطر والمعلومات المتوافرة لديها.

وتطرق إلى الجنوب السوري وقربه من الحدود الأردنية، معتبراً أن نشاط شبكات تهريب المخدرات يمثل عاملاً إضافياً يزيد من حساسية ملف انتشار السلاح في المنطقة.

مخاوف من عسكرة العشائر

وحذر إبراهيم سليم الحريري من أن يؤدي توسيع الدور الأمني للعشائر إلى ظهور تشكيلات مسلحة على أساس عشائري، معتبراً أن ذلك قد يوفر حلاً مؤقتاً لبعض المشكلات، لكنه يحمل مخاطر على المدى الأبعد.

وأوضح أن انتقال الخلافات من مستوى الأفراد والعائلات إلى مواجهات بين مجموعات مسلحة مرتبطة بعشائر مختلفة قد يزيد من صعوبة السيطرة على الوضع الأمني.

وشدد على أن حصر السلاح يجب أن يبقى من مسؤولية الدولة، داعياً إلى وضع آلية واضحة لتنظيم عملية جمعه والاستفادة من تجارب دول تعاملت مع انتشار الأسلحة خارج المؤسسات الرسمية.

التوعية قبل جمع السلاح

ويرى إبراهيم الحريري أن المعالجة الأمنية تحتاج إلى مسار اجتماعي موازٍ، يبدأ بتغيير ثقافة اقتناء السلاح، ولا سيما بين فئة الشباب.

وأشار إلى أن حمل السلاح في بعض البيئات الريفية يرتبط لدى أصحابه بفكرة حماية النفس والممتلكات، لكنه حذر من خطورة وصوله إلى أشخاص غير مؤهلين لاستخدامه، أو إلى أشخاص يتعاطون المخدرات أو يتعاملون معه بصورة متهورة.

ودعا إلى تفعيل دور المراكز الثقافية ووسائل الإعلام وخطباء المساجد وشيوخ العشائر والوجهاء والجلسات العائلية في التوعية بمخاطر انتشار السلاح.

وقال إن حملات التوعية يمكن أن تشجع بعض حائزي الأسلحة على تسليمها طوعاً، لكنه أقر بأن التسليم الطوعي وحده لا يكفي، وأنه يحتاج إلى خطة رسمية ومنظمة لجمع الأسلحة وحصرها.

الدولة والوجهاء.. أدوار مختلفة

وشدد منير الحريري على أهمية تعاون الوجهاء والعشائر مع مؤسسات الدولة في معالجة ملف السلاح، مقترحاً تنظيم حملات في البلدات والقرى لتشجيع من بحوزتهم أسلحة عائدة للدولة على تسليمها إلى الجهات المختصة.

وأكد أن المسؤولية الأساسية عن ضبط السلاح تقع على عاتق الدولة، فيما يمكن للوجهاء المحليين المساهمة في تحديد مصادر الخلافات واحتوائها ومنع تحولها إلى مواجهات.

وتعيد حادثة إنخل فتح ملف يتجاوز حدود الخلاف بين عائلتين، في ظل قدرة السلاح المتاح على تحويل نزاع محلي محدود إلى مواجهة مسلحة خلال وقت قصير. وتُظهر الحوادث المتكررة في درعا أن معالجة الظاهرة تتطلب مساراً يجمع بين فرض القانون، وتنظيم حيازة السلاح، واحتواء النزاعات اجتماعياً، إلى جانب معالجة العوامل التي تغذي التوترات المحلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى