تحت شعار مكافحة الفساد.. نفوذ عراقي أمام الاختبار

تمضي الحكومة العراقية في تنفيذ حملة لمكافحة الفساد، بالتزامن مع مؤشرات على انخراط أمريكي أكبر في تقديم دعم فني ولوجيستي وتبادل المعلومات مع الجهات العراقية المختصة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالحركة المالية والتحويلات وغسل الأموال.
وفيما تؤكد المعطيات المتداولة أن الحكومة والقضاء العراقيين يحتفظان بالمسؤولية التنفيذية والقانونية عن الحملة، يتركز جانب من الاهتمام على طبيعة التعاون مع واشنطن، ولا سيما في القضايا التي تتصل بالنظام المالي بالدولار والعقوبات الأمريكية.
ويرى مختصون أن الملفات المالية تمثل أحد أكثر جوانب الحملة حساسية، مع التركيز على التحويلات المالية المشبوهة وعمليات غسل الأموال، فضلاً عن التعاملات التي قد ترتبط بجهات أو دول خاضعة للعقوبات الأمريكية.
ويشير هذا المسار إلى اختبار أوسع أمام الحكومة العراقية، يتمثل في مدى قدرتها على تحويل الحملة من إجراءات تستهدف ملفات وأشخاصاً محددين إلى مسار مؤسسي طويل الأمد يعزز الرقابة ويحد من تأثير شبكات النفوذ السياسي والمالي داخل مؤسسات الدولة.
استهداف شبكات الفساد
وتحمل الحملة اسم «صولة الفجر»، وفق المعطيات المتداولة، ولا تقتصر إجراءاتها على توقيف متهمين أو فتح ملفات قضائية، بل تشمل أيضاً إجراءات لاسترداد أموال وعقارات ووقف مشاريع وعمليات يُشتبه في تسببها بهدر المال العام.
وتشير تقديرات مرتبطة بالحملة إلى استرداد نحو 3 تريليونات دينار عراقي حتى الآن، مع استمرار الإجراءات المتعلقة بتتبع الأموال واسترداد الأصول.
ويرى مؤيدو الحملة أن المرحلة المقبلة قد تشهد فتح ملفات جديدة، في حال استكمال التحقيقات والإجراءات القانونية، مع احتمال أن تطال شخصيات سياسية ومستثمرين وشبكات مالية واقتصادية.
في المقابل، تبرز تساؤلات حول قدرة المؤسسات العراقية على ضمان استمرار الحملة وفق إجراءات قانونية واضحة، بعيداً عن الانتقائية أو التأثيرات السياسية، خصوصاً مع حساسية الملفات التي تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي.
واشنطن والملفات المالية
وتبرز الولايات المتحدة في جانب من النقاش المتعلق بالحملة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالدولار والتحويلات المالية ومكافحة غسل الأموال.
ويأتي ذلك في ظل حرص واشنطن على الحد من استخدام النظام المالي بالدولار في تجاوز العقوبات أو تمويل أنشطة تعتبرها غير مشروعة، وهو ما ينعكس على طبيعة التعاون مع المؤسسات المالية العراقية.
ومع ذلك، فإن أي تعاون فني أو تبادل للمعلومات لا يعني بالضرورة تولي واشنطن إدارة الحملة، إذ تبقى الإجراءات القضائية والتنفيذية من اختصاص المؤسسات العراقية المعنية.
اختبار لمؤسسات الدولة
وتتجاوز أهمية الحملة مسألة توقيف المتهمين أو استرداد الأموال، إلى مدى قدرة الدولة على بناء آليات دائمة لمنع تكرار التجاوزات المالية والإدارية.
ويبرز في هذا السياق دور القضاء وأجهزة الرقابة المالية ومؤسسات تتبع الأموال، باعتبارها أدوات أساسية لضمان استمرار مكافحة الفساد بعد انتهاء الحملات الأمنية والقضائية الحالية.
كما أن نجاح الحملة سيقاس بقدرتها على تطبيق القانون بصورة متساوية، سواء تعلق الأمر بموظفين أو مسؤولين أو رجال أعمال، وبمدى قدرتها على منع تحويل ملف مكافحة الفساد إلى أداة للصراع السياسي.
معركة مع مراكز النفوذ
وتشير التطورات إلى أن الحملة قد تمتد إلى مستويات مختلفة من الجهاز الإداري والسياسي، مع التركيز على شبكات يُشتبه في أنها تربط بين حلقات الفساد الصغيرة والمستويات الأعلى داخل مؤسسات الدولة.
وفي حال اتساع نطاق التحقيقات، فإن الإجراءات قد تؤثر في موازين النفوذ السياسي والمالي، خصوصاً إذا وصلت الملفات إلى شخصيات ذات نفوذ أو مصالح اقتصادية واسعة.
وبينما تسعى الحكومة إلى تقديم الحملة باعتبارها مساراً لمواجهة واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه الدولة والاقتصاد العراقي، يبقى التحدي الأساسي في ضمان استقلال الإجراءات واستمرارها ضمن المؤسسات، بما يسمح بتحويل مكافحة الفساد من حملة مؤقتة إلى سياسة دولة طويلة الأمد.




