5 أوراق على الطاولة للضغط على اقتصاد إيران

تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للإعلان عن إجراءات اقتصادية جديدة تستهدف إيران، في خطوة قد تمثل تشديداً للضغوط المفروضة على الاقتصاد الإيراني، بالتزامن مع حديث وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن إجراءات وصفها بأنها غير مسبوقة.
ومن المقرر أن يكشف بيسنت تفاصيل الإجراءات الجديدة خلال مؤتمر صحافي، في وقت تعتمد فيه واشنطن منذ سنوات على العقوبات المالية والطاقة والملاحة للضغط على طهران.
وتعود العقوبات الأميركية على إيران إلى ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل ملفات متعددة، بينها البرنامج النووي وحقوق الإنسان ودعم جماعات مسلحة.
وخلال الولاية الثانية لترامب، وسعت واشنطن نطاق العقوبات لتشمل أفراداً وسفناً وشركات مرتبطة بقطاعات النفط والنقل والتمويل، إضافة إلى شبكات تقول السلطات الأميركية إنها تساعد إيران على تجاوز القيود المفروضة عليها.
ومع استمرار العقوبات، تبحث الإدارة الأميركية عن أدوات إضافية للحد من قدرة طهران على تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية وتمويل تجارتها الخارجية. وتبرز في هذا السياق خمس أوراق رئيسية.
المصافي الصينية المستقلة
تتمثل الورقة الأولى في المصافي الصينية المستقلة، المعروفة باسم «أباريق الشاي»، والتي تستحوذ على جانب مهم من واردات النفط الإيراني إلى الصين.
وتعتمد هذه المصافي، التي تعمل بهوامش ربح محدودة نسبياً، على شراء النفط بأسعار مخفضة، ما جعلها خلال السنوات الماضية من أبرز المشترين للخام الإيراني الخاضع للعقوبات.
وتشير بيانات تجارية إلى أن الصين تستحوذ على أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحراً، فيما تذهب نسبة مهمة منه إلى المصافي المستقلة.
ويمكن لواشنطن استخدام العقوبات الثانوية لاستهداف المصافي التي تستمر في شراء الخام الإيراني، لكن تأثير هذا الخيار قد يكون محدوداً في بعض الحالات بسبب ضعف ارتباط هذه الشركات بالنظام المالي الأميركي مقارنة بالمؤسسات الصينية الكبرى.
وفي المقابل، بدأت الضغوط تظهر على حركة النفط الإيراني إلى الصين، مع تراجع الإمدادات المتاحة لبعض المشترين واتجاه عدد من المصافي إلى البحث عن مصادر بديلة.
المصارف الصينية
الخيار الثاني يتمثل في توسيع نطاق العقوبات ليشمل المؤسسات المالية الصينية التي تتعامل مع الأموال المرتبطة بالتجارة الإيرانية.
وفرضت وزارة الخزانة الأميركية بالفعل عقوبات على كيانات في الصين وهونغ كونغ، متهمة إياها بالمشاركة في معاملات مرتبطة بالنفط الإيراني وشبكات مالية أخرى.
كما وجهت واشنطن تحذيرات إلى مؤسسات مصرفية صينية بشأن احتمال تعرضها لعقوبات ثانوية في حال ثبوت مشاركتها في تحويل أموال إيرانية.
وقد يكون استهداف مصرف صيني كبير أكثر تأثيراً من معاقبة شركات صغيرة، نظراً إلى احتمال دفع مؤسسات مالية أخرى إلى تجنب التعامل مع إيران خشية فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطر على واشنطن نفسها، إذ يمكن أن يؤدي إلى رد اقتصادي من بكين، خصوصاً في مجالات المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعات التكنولوجية والعسكرية.
لذلك تواجه الإدارة الأميركية معادلة دقيقة بين زيادة الضغط على القنوات المالية الإيرانية في الصين وتجنب تصعيد اقتصادي أوسع مع بكين.
لعبة «ضرب الخلد»
الورقة الثالثة تقوم على مواصلة استهداف الشبكات التي تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات، في ما يُعرف مجازاً بلعبة «ضرب الخلد».
وتعتمد هذه المقاربة على إدراج شركات الشحن والوسطاء الماليين وشركات الواجهة على قوائم العقوبات كلما اكتشفت واشنطن استخدامها لنقل النفط أو تحويل الأموال أو تسهيل التجارة الإيرانية.
لكن هذا الأسلوب يواجه تحدياً مستمراً، إذ تستطيع الشبكات المستهدفة إعادة تشكيل نفسها من خلال إنشاء شركات جديدة أو تغيير الأسماء ومسارات الشحن والوسطاء.
ويمكن لواشنطن توسيع نطاق هذه الإجراءات لتشمل شركات النقل ومشتري النفط ووسطاء العملات والشركات التي تساعد إيران على تحويل عائداتها النفطية إلى سلع وخدمات.
كما قد تمتد الإجراءات إلى قطاع الطيران، في محاولة لتقليص البدائل المتاحة أمام طهران مع تشديد القيود على النقل البحري.
الحصار البري
الخيار الرابع يتمثل في محاولة تضييق حركة التجارة البرية الإيرانية، وهو خيار أكثر تعقيداً من الناحية الجغرافية والسياسية.
وتشترك إيران في حدود برية مع سبع دول هي العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان وأرمينيا، ما يعني أن أي محاولة لإغلاق المنافذ البرية أمام التجارة الإيرانية ستتطلب تعاوناً من دول ترتبط بطهران بعلاقات اقتصادية مختلفة.
ويصطدم هذا الخيار بعوامل متعددة، أبرزها طول الحدود الإيرانية وتنوع طبيعتها الجغرافية، إضافة إلى المصالح الاقتصادية للدول المجاورة.
فتركيا ترتبط بإيران بحجم من التبادل التجاري، بينما يعتمد العراق على واردات الطاقة الإيرانية، وتسعى إيران وباكستان إلى تعزيز التجارة بينهما.
كما أن فرض قيود واسعة على التجارة البرية قد تكون له انعكاسات مباشرة على المدنيين، خصوصاً إذا أثرت القيود على تدفق المواد الغذائية والطاقة والسلع الأساسية.
الرسوم الجمركية الثانوية
أما الورقة الخامسة فتتمثل في استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط على الدول التي تستمر في توفير قنوات تجارية لإيران.
وتقوم الفكرة على فرض رسوم على منتجات الدول التي تتعامل مع طهران، بهدف دفع حكوماتها وشركاتها إلى تقليص العلاقات التجارية والمالية معها.
وسبق أن لوّحت إدارة ترامب باستخدام الرسوم لهذا الغرض، لكن المسار القانوني لهذه الصلاحيات واجه تحديات، في وقت يناقش فيه الكونغرس الأميركي تشريعات جديدة تتضمن عقوبات مرتبطة بإيران ودول أخرى.
ولا تزال بعض هذه المقترحات بحاجة إلى استكمال المسار التشريعي قبل أن تتحول إلى قانون، ما يجعل استخدامها أداة فورية للضغط أمراً مرتبطاً بالقرارات القانونية والسياسية المقبلة.
اختبار صعب لواشنطن
تأتي هذه الخيارات في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً متزايدة على قطاع النفط، الذي يمثل أحد أهم مصادر العملات الأجنبية للبلاد، بالتزامن مع القيود المفروضة على حركة الشحن.
وتقول طهران إنها راكمت خلال سنوات العقوبات خبرة واسعة في إيجاد طرق بديلة للتجارة وتصدير النفط، بينما تعارض الصين سياسة العقوبات الأميركية وتدعو إلى معالجة الخلافات المتعلقة بإيران عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.
وبالتالي، فإن أي تشديد جديد للعقوبات لن يعتمد فقط على إضافة كيانات إلى القوائم الأميركية، بل على قدرة واشنطن على التأثير في الدول والشركات التي تشكل قنوات رئيسية للتجارة الإيرانية، خصوصاً الصين ودول الجوار.
ومن المصافي الصينية والمصارف إلى شبكات الالتفاف على العقوبات والحركة البرية والرسوم الجمركية، تبدو أمام إدارة ترامب مجموعة من الخيارات، لكن لكل منها حدود ومخاطر اقتصادية وسياسية.
ومن شأن الإجراءات التي تعلنها واشنطن أن تكشف مدى استعداد الإدارة للانتقال من تشديد العقوبات التقليدية إلى الضغط بصورة أكبر على الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران، وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تضييق إضافي على الاقتصاد الإيراني أو إلى توسيع نطاق المواجهة الاقتصادية.




