هل يرفع استبدال الكتلة النقدية قيمة الليرة السورية؟

أثارت التصريحات الأخيرة لحاكم مصرف سوريا المركزي، والتي تحدث فيها عن إمكانية تحسن قيمة الليرة السورية خلال الفترة المقبلة، تساؤلات واسعة حول مدى واقعية هذا التحسن وإمكانية استمراره، وكذلك عن انعكاساته الفعلية على حياة السوريين اليومية. وتأتي هذه التساؤلات في ظل تحديات كبيرة ما تزال تعيق تعافي الاقتصاد، إلى جانب استمرار تقلبات سعر الصرف وعدم استقرار قيمة العملة منذ سقوط النظام السابق.
ويرى عدد من الباحثين والخبراء الاقتصاديين أن أي تحسن حقيقي في قيمة الليرة لا يمكن أن يعتمد فقط على إجراءات استبدال العملة، بل يتطلب حزمة أوسع من الإصلاحات، تشمل تنشيط القطاعات الإنتاجية، ودعم الصناعات التحويلية، وتعزيز دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى جذب الاستثمارات الخارجية.
توقعات بتحسن محتمل
بحسب ما أعلنه حاكم المصرف المركزي، فإن الليرة السورية مرشحة للتحسن خلال المرحلة القادمة، مدفوعة بزيادة الإنتاج المحلي وضبط عمليات الاستيراد. وأكد في تصريحات إعلامية أن المؤشرات الاقتصادية الحالية تحمل طابعاً إيجابياً، ما يعزز هذه التوقعات.
وفي سياق متصل، أوضح أن أكثر من نصف الكتلة النقدية، نحو 56%، تم استبدالها حتى الآن، بعد تمديد مهلة الاستبدال لإتاحة الفرصة أمام المواطنين. وتتم هذه العملية حصراً عبر القنوات المصرفية بهدف تعزيز التنظيم والشفافية، مع التوجه إلى توسيع نطاق مراكز الاستبدال في بعض المناطق لضمان استقرار أكبر في سوق الصرف.
تقلبات مستمرة في سعر الصرف
منذ التغيرات السياسية الأخيرة، شهدت الليرة السورية حالة من التذبذب الملحوظ، نتيجة تداخل عوامل سياسية وأمنية، إلى جانب التأثير النفسي للأخبار والتوقعات في السوق. وخلال نهاية عام 2024 وبداية 2025، تراوح سعر الصرف بين 10 و11 ألف ليرة مقابل الدولار، قبل أن يعاود الارتفاع متأثراً بعوامل خارجية، من بينها الأزمات العالمية، إضافة إلى طرح العملة الجديدة في التداول وبدء عمليات الاستبدال.
ومع بداية عام 2026، استمر هذا الاتجاه التصاعدي ليصل سعر الصرف إلى أكثر من 13 ألف ليرة للدولار الواحد.
ويشير بعض الخبراء إلى أن هذه التقلبات ليست مستغربة في ظل المرحلة الانتقالية، خاصة مع دخول كميات من الأموال المخزنة سابقاً إلى السوق، ما يزيد من عرض الليرة ويؤثر على سعرها. ويرجحون استمرار حالة التذبذب إلى حين الانتهاء الكامل من عملية استبدال العملة، مع احتمال تسجيل مستويات أعلى مؤقتاً قبل استقرار السوق.
حدود تأثير استبدال العملة
تُعد عملية استبدال العملة إجراءً تنظيمياً بالدرجة الأولى، يهدف إلى تبسيط التعاملات اليومية عبر تقليل عدد الأصفار، إضافة إلى إعادة هيكلة الكتلة النقدية والتحقق من حجمها الفعلي في السوق. كما تحمل هذه الخطوة بُعداً رمزياً يتمثل في التخلص من العملات المرتبطة بالمرحلة السابقة.
لكن، وبحسب محللين، فإن هذا الإجراء لا يشكل حلاً شاملاً للأزمة الاقتصادية، بل هو جزء محدود من عملية إصلاح أوسع. إذ يتطلب تحقيق تحسن ملموس في قيمة العملة توفر عوامل أخرى، مثل تدفق الاستثمارات، وتوسيع النشاط التجاري الإقليمي، وتحسين بيئة الإنتاج، إلى جانب إصدار تشريعات اقتصادية جديدة.
ويؤكد مختصون أن التحدي الأهم لا يكمن فقط في مستوى سعر الصرف، بل في قدرته على الاستقرار، بعيداً عن التقلبات الحادة التي تربك الأسواق وتؤثر على النشاط الاقتصادي.
توجه نحو “التعويم المُدار”
تشير السياسات الحالية للمصرف المركزي إلى اعتماد ما يُعرف بالتعويم المُدار، وهو نهج يوازن بين ترك السعر لقوى السوق من جهة، والتدخل عند الضرورة من جهة أخرى، بهدف الحد من التقلبات الحادة.
وبموجب هذا التوجه، يُترك تحديد السعر اليومي للعرض والطلب، بينما يحتفظ المصرف المركزي بأدوات للتدخل عند الحاجة، مثل التحكم بالسيولة، وتنظيم عمليات السحب، وإعادة تنشيط الأسواق المالية، وضبط التداول بالعملات الأجنبية.
ويرى خبراء أن هذا النهج مؤقت ومرتبط بمرحلة استبدال العملة، وقد يتطور لاحقاً نحو اعتماد أكبر على آليات السوق، خاصة إذا توفرت أدوات نقدية أكثر فعالية لدى المصرف المركزي. كما يشير البعض إلى أن السوق المحلية تحتوي بالفعل على كميات كافية من العملات الأجنبية، ما يقلل الحاجة إلى تدخل مباشر عبر ضخ الدولار.
هل يلمس المواطن هذا التحسن؟
على الرغم من الأثر النفسي الإيجابي لعملية استبدال العملة، والتي أسهمت في تسهيل التعاملات اليومية وتقليل الأعباء المرتبطة بحمل كميات كبيرة من النقد، فإن السؤال الأهم يبقى: هل سينعكس ذلك فعلياً على مستوى المعيشة؟
يربط الخبراء الشعور الحقيقي بالتحسن بعوامل أعمق، مثل تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، واستقطاب الاستثمارات، وإعادة دمج القطاع المصرفي في الدورة الاقتصادية بشكل كامل.
كما يشيرون إلى أن تحسن سعر الصرف وحده لا يكفي لإحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، خاصة في ظل بطء انتقال أي تحسن إلى أسعار السلع، مقابل سرعة تأثرها بالارتفاعات. لذلك، فإن تحقيق أثر إيجابي حقيقي يتطلب فترة من الاستقرار المستمر في السوق، إلى جانب تحسن في سلاسل التوريد وتراجع الضغوط المرتبطة بالطاقة والنقل.
في المحصلة، تبدو المؤشرات الحالية مشجعة نظرياً، لكنها لن تتحول إلى تحسن ملموس في حياة الناس إلا إذا استمرت لفترة كافية وترافقت مع إصلاحات اقتصادية أوسع وأكثر عمقاً.




