أزمة “شام كاش” تثير مخاوف على رواتب الموظفين

كشفت حالات تقييد السحب عبر تطبيق «شام كاش»، بالتزامن مع لجوء بعض شركات الصرافة إلى فرض عمولات مرتفعة، عن مشكلات متزايدة في آلية توطين رواتب آلاف الموظفين والعمال عبر التطبيق، بعدما أصبح وسيلة رئيسية لتلقي الرواتب الحكومية من دون توفير ضمانات كافية تضمن الوصول السريع إلى الأموال وسهولة تحويلها إلى سيولة نقدية.
ولا تزال معظم شركات الصرافة في دمشق وعدد من المحافظات تمتنع عن صرف الأرصدة النقدية الموجودة في «شام كاش»، أو تفرض قيوداً على المبالغ التي يمكن سحبها، في حين لجأت بعض الجهات إلى فرض عمولات مرتفعة على عمليات السحب والإيداع.
وبررت شركات الصرافة هذه الإجراءات بتعطل الربط الإلكتروني مع مصرف سوريا المركزي، مشيرة إلى أن عمليات السحب تتركز حالياً في مراكز البريد، التي شهدت ازدحاماً نتيجة إقبال المواطنين على سحب أموالهم من التطبيق.
وتشير معطيات متداولة إلى أن نقص السيولة لدى مصرف سوريا المركزي يمثل أحد العوامل التي تقف وراء صعوبة توفير النقد، بالتزامن مع العمل على آلية جديدة تهدف إلى تنظيم عمليات السحب بصورة أكبر.
وفي ظل هذه الأزمة، أطلقت «شام كاش» خدمة إلكترونية مخصصة لاستقبال شكاوى المستخدمين بشأن عمليات السحب، مؤكدة أن الخطوة تهدف إلى تنظيم الخدمة وحماية حقوق العملاء.
وأوضحت الشركة أن الخدمة تتيح الإبلاغ عن المخالفات المتعلقة بعمليات السحب لدى شركات الصرافة والحوالات المعتمدة، أو الوكلاء والفروع والمكاتب التابعة لها.
وأكدت أن الحد الأقصى المسموح به لعمولة السحب يبلغ 3 بالألف، مشددة على عدم جواز تقاضي أي جهة معتمدة عمولة تتجاوز هذه النسبة.
ودعت المواطنين الذين يواجهون تقاضي عمولات أعلى من الحد المحدد أو أي مخالفة خلال عملية السحب إلى تقديم شكوى عبر القنوات المخصصة، مع إرفاق المعلومات والتفاصيل المتاحة حول الواقعة.
السيولة في صدارة الحلول
يرى خبير اقتصادي أن تصاعد الشكاوى بشأن تقييد السحب وارتفاع العمولات يعكس مشكلة تتجاوز الأعطال التقنية، مشيراً إلى أن عدم توفر السيولة الكافية يتيح المجال أمام بعض شركات الصرافة لاستغلال حاجة المواطنين إلى النقد.
ويعتبر أن تحديد سقف للعمولات يمكن أن يحد من الاستغلال، لكنه لا يمثل حلاً جذرياً ما لم يترافق مع توفير السيولة اللازمة وضخها في السوق، خصوصاً أن شريحة واسعة من الموظفين والعمال أصبحت تعتمد على التطبيق للحصول على رواتبها ومستحقاتها.
ويضيف أن التطبيق بات يؤدي دوراً مهماً في السوق المالية، ما يستدعي إخضاع عملياته لرقابة أكبر من المصرف المركزي، بما يشمل حركة الأموال وعمليات الإيداع والسحب وآليات توفير السيولة.
كيف بدأت الأزمة؟
لا تبدو الأزمة الحالية مرتبطة فقط بعطل تقني في التطبيق أو لدى شركات الصرافة، بل ترتبط أيضاً بالتحول الواسع نحو توطين الرواتب الحكومية إلكترونياً، بالتزامن مع تراجع السيولة النقدية وفرض قيود على السحب من المصارف.
ويرى اقتصاديون أن هذه الإجراءات أدت إلى وضع المواطنين أمام معادلة يحصلون فيها على رواتبهم إلكترونياً، لكنهم يواجهون صعوبة في تحويلها إلى نقد بالقيمة نفسها وبالسهولة المطلوبة.
ومع تزايد الحاجة إلى السيولة، ظهرت شكاوى من فرض عمولات إضافية للوصول إلى الأموال النقدية، ما يفتح الباب أمام تشكل سوق موازية للسيولة، يصبح فيها امتلاك النقد ميزة تسمح بفرض تكلفة إضافية على من يملك رصيداً إلكترونياً فقط.
ويحذر مختصون من أن تحول النقد إلى سلعة منفصلة عن الرصيد الإلكتروني قد يؤدي إلى تراجع الثقة بمنظومة الدفع الرقمي، خصوصاً إذا شعر المستخدم بأن قيمة أمواله تختلف عملياً بحسب قدرته على تحويلها من رصيد إلكتروني إلى نقد.
أزمة «شام كاش» جزء من أزمة سيولة أوسع
يمكن وصف المشكلة الحالية بأنها تقييد لقدرة المواطنين على تحويل أرصدتهم الإلكترونية إلى سيولة نقدية، وهي مشكلة تتجاوز التطبيق نفسه لتطرح تساؤلات حول إدارة النقد والسياسة النقدية وقدرة شركات الصرافة على تأمين السيولة.
وفي هذه الحالة، يصبح المواطن مالكاً لأمواله من الناحية القانونية، لكنه يواجه قيوداً عملية على استخدامها بالشكل الذي يحتاج إليه.
ويرى اقتصاديون أن التحول الرقمي في القطاع المالي يحتاج إلى بنية تحتية موثوقة، وثقة المستخدم، وإمكانية مضمونة لتحويل الأموال بين الشكلين الإلكتروني والنقدي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برواتب الموظفين.
كما تبرز تساؤلات بشأن المسؤولية القانونية عن الأموال التي يتعذر سحبها، والجهة التي تتحمل تبعات تعطل الخدمة، إضافة إلى ضرورة وجود قواعد واضحة تتعلق بالسحب والعمولات والتعويض وحماية حقوق المستخدمين.
ومن أبرز المخاطر المحتملة استمرار الضغط على السيولة، ما قد ينعكس على الاستهلاك والطلب ودوران الأموال في السوق. فكلما زادت صعوبة تحويل الرواتب الإلكترونية إلى نقد، تراجعت قدرة المواطنين على الإنفاق، ما قد يؤثر بدوره على النشاط التجاري والإنتاج والتوظيف.
كما يبرز احتمال ظهور فارق عملي بين قيمة الرصيد الإلكتروني وقيمة النقد، إذا اضطر صاحب الرصيد إلى دفع عمولة للحصول على أمواله نقداً. وفي هذه الحالة، قد لا تعود القيمة الاسمية للمبلغ الإلكتروني مساوية فعلياً للمبلغ النقدي من ناحية سهولة الاستخدام والسيولة.
ويحذر مختصون من أن استمرار المشكلة من دون معالجة جذرية قد يضعف الثقة بالمدفوعات الإلكترونية، إذ إن نجاح أي محفظة رقمية يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المستخدم على الدخول إلى أمواله وسحبها بسهولة عند الحاجة.
الدفع الإلكتروني أمام اختبار المنافسة
تأتي الأزمة بالتزامن مع توجه رسمي نحو تطوير منظومة الدفع والتحول الإلكتروني، في إطار السعي إلى توسيع خيارات الدفع والتحويل أمام المواطنين وقطاع الأعمال وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.
ويهدف النظام الجديد إلى وضع أسس تنظيمية وتقنية لربط خدمات الدفع بين الجهات والمؤسسات المالية، من خلال تنظيم وترخيص مقدمي خدمات الدفع، ومقدمي خدمات النقود الإلكترونية، ومشغلي أنظمة الدفع.
كما يفتح النظام المجال أمام اختبار حلول مالية وتقنية جديدة ضمن بيئة تنظيمية خاضعة للرقابة، بما يعزز فرص الابتكار والمنافسة والاستثمار في قطاع الخدمات المالية الرقمية.
ويتضمن النظام متطلبات تتعلق بالحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني وحماية المستخدمين، بهدف تعزيز سلامة التعاملات المالية ورفع مستوى الثقة بالخدمات الرقمية، مع الإبقاء على التعامل النقدي وعدم فرض وسيلة دفع محددة.
ومن شأن هذه الخطوة، على المدى الطويل، تطوير قدرة القطاع المالي في سوريا على الارتباط بمنظومات الدفع الإقليمية والدولية وفق المتطلبات القانونية والفنية والتجارية، من دون أن يعني ذلك فتح التحويلات أو الربط الدولي بصورة فورية.
ويرى مختصون أن تنظيم قطاع المدفوعات الإلكترونية وفتح المجال أمام البنوك والشركات لتقديم خدمات متنوعة يمكن أن يساهما في تقليل الاعتماد على النقد وتعزيز الشمول المالي، شرط أن يترافق ذلك مع منافسة حقيقية ورقابة فعالة وضمان قدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم دون عوائق.
وتكشف أزمة «شام كاش» أن التحول من النقد إلى الدفع الإلكتروني لا يرتبط فقط بإطلاق التطبيقات وتوطين الرواتب، بل يحتاج أيضاً إلى منظومة متكاملة تضمن السيولة، وتحمي المستخدمين، وتمنع الاحتكار، وتحدد بوضوح مسؤوليات الجهات المشغلة والرقابية عند حدوث أي خلل.




