دمشق وموسكو تعتمدان مسار تعزيز العلاقات الثنائية

في تطور لافت للعلاقات السورية-الروسية، أعلنت دمشق وموسكو عن توقيع مذكرة تفاهم لإعادة هيكلة الوجود العسكري الروسي في سوريا، في خطوة وصفتها الخارجية السورية بأنها “الأهم” منذ بدء المفاوضات بين الجانبين، فيما اعتبرت الخارجية الروسية مذكرة التفاهم خطوة مهمة تعزز الإطار القانوني للتعاون بين البلدين.
يأتي هذا الاتفاق في وقت تواجه فيه دمشق ضغوطاً أمريكية متزايدة تهدف إلى دفعها للابتعاد عن حليفها الروسي، غير أن الرئيس السوري أحمد الشرع يبدو مصمماً على الحفاظ على توازن دقيق يضمن لسوريا حرية قرارها بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
توافق يحفظ المصالح
بموجب الاتفاق الجديد، الذي من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ خلال مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ستتحول المنشآت العسكرية الروسية في مطار حميميم وميناء طرطوس إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة بين البلدين. وفي خطوة تعكس استعادة السيادة الوطنية، ستتولى الدولة السورية إدارة المرافق المدنية، والتي تشمل مطار اللاذقية والرصيف التجاري في طرطوس، وذلك بعد أن ظل تشغيلهما مرتبطاً عملياً بالوجود الروسي.
ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق يمثل “حلقة وصل” تحفظ للطرفين مصالحهما؛ فمن جهة، تستعيد دمشق سيطرتها على منشآت حيوية كانت تحت الإدارة الروسية، ومن جهة أخرى، تحافظ موسكو على وجودها الاستراتيجي في شرق المتوسط، وإن كان بصيغة مغايرة. وقد أكدت وزارة الخارجية الروسية أن الاتفاق خطوة مهمة تهدف إلى مواصلة تحسين التعاون الثنائي في المجال العسكري وإعطاء دفعة جديدة لتطوير العلاقات بين البلدين التي تستند إلى تاريخ طويل من الصداقة والشراكة”.
وعلى مدار 18 شهراً أعقبت سقوط نظام الأسد، عملت الحكومة السورية على عدة محاور في سياق تهيئة الظروف اللازمة للتفاهم مع روسيا بما يتعلق بوجودها في سوريا. وخلال هذه الفترة، انسحبت روسيا من كامل نقاطها العسكرية في مختلف أنحاء البلاد، باستثناء قاعدتي حميميم وطرطوس.
واشنطن تسعى لفصل دمشق عن موسكو
في المشهد الموازي، تكثف واشنطن جهودها لتقليص النفوذ الروسي في سوريا، مستخدمة ورقة رفع العقوبات كأداة ضغط. فقد كشفت مصادر مطلعة أن دمشق وافقت على خفض وارداتها من النفط الروسي بشكل كبير، وذلك في إطار محادثاتها مع الولايات المتحدة حول رفع تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.
ووفقاً للمصادر التي تحدثت لوكالة رويترز، طلبت واشنطن من دمشق تعهداً بخفض مشترياتها من النفط الروسي، وهو ما التزمت به الأخيرة، رغم أن المسؤولين الأمريكيين لم يربطوا ذلك بشكل صريح بشرط مسبق لرفع التصنيف. غير أن مصادر سورية أكدت أن ذات المسؤولين أوضحوا أن إنهاء شراء النفط الروسي من شأنه “تحسين فرص رفع التصنيف بسرعة وبدون تعقيدات”.
تُشير التقديرات إلى أن واردات سوريا من النفط الروسي قفزت بنسبة 75% خلال العام الجاري، لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً، مما جعل موسكو المورد الرئيسي للخام لدمشق. ويؤكد محللون أن هذه الزيادة متعمدة، وأن اعتماد دمشق على النفط الروسي يأتي بدافع الضرورة إلى جانب المناورة مع الجانب الأمريكي.
الشرع يناور بين الأطراف المختلفة
يبدو أن الرئيس الشرع يدرك تمام الإدراك أن التخلي عن التعاون مع روسيا قد يجرده من حرية قراره ويجعله رهينة بالكامل لإرادة واشنطن وتل أبيب. فبالنسبة للشرع، إن خسارة روسيا تعادل الرضوخ التام للإملاءات الإسرائيلية، وهو أمر لن يغفره له الشعب السوري أبداً.
وقد تجلى هذا التوجه في الموقف السوري من الاتفاق العسكري الجديد، حيث أصرت دمشق على صيغة تحفظ الوجود الروسي بشكل يخدم مصالحها الوطنية، في الوقت الذي تسعى فيه لاسترضاء واشنطن عبر مفاوضات كرّ وفرّ. وتُشير المصادر إلى أن المسؤولين السوريين ورغم توجههم السياسي نحو الغرب، يعلمون بأن الولايات المتحدة الأمريكية مهما وفرت لسوريا من دعم فإنها في النهاية ستحقق رغبات إسرائيل في المرتبة الأولى.
ويرى محللون أن زيارة الشرع إلى موسكو في أكتوبر 2025 جاءت نتيجة مباشرة لضغوط أمريكية دفعت الرئيس السوري إلى التوجه نحو روسيا في محاولة لإيجاد معادلة تضمن استقلال القرار السوري عن الولايات المتحدة وأي من التحالفات الدولية الأخرى. وأكد الباحث في الشؤون الروسية، الدكتور سمير أيوب، أن الشرع يسعى إلى تبني خط سياسي معتدل ومتوازن في ظل مرحلة تشهد انفلاتاً أمنياً في المنطقة.
كما أشارت تقارير إلى أن استمرار وجود روسي ولو بشكل محدود داخل سوريا، يحجّم تنامي النفوذ التركي في سوريا على طول حدودها الشمالية، ويعزّز في ذات الوقت التنسيق التركي الروسي للوقوف إلى جانب سوريا في مسألة تجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع حزب الله في لبنان، تحت الضغوط الأمريكية، خشية من إشعال المنطقة لصالح إسرائيل. كل هذا يمنح دمشق مساحة إضافية للمناورة بين الأطراف المختلفة.
وقد سبق وأن كشفت مصادر خاصة ووسائل إعلام أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مارست ضغوطاً غير مباشرة على دمشق للتدخل عسكرياً في لبنان لمواجهة حزب الله، وذلك في إطار مساعٍ لخدمة المصالح الإسرائيلية. وقد طُرحت الفكرة لأول مرة في عام 2025 وأُعيد إحياؤها في مارس 2026، تزامناً مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث رأت واشنطن في الرئيس السوري أحمد الشرع “رجلاً قوياً وحاسماً” قادراً على “إنجاز المهمة” التي فشلت إسرائيل في إنجازها دون تدمير واسع.
وجاء ذلك بالتزامن مع مراجعة أمريكية لتصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، مما فتح الباب أمام إغراءات ووعود برفع العقوبات مقابل تعاون أمني. في المقابل، حثت تركيا الرئيس الشرع على رفض هذه المطالب، محذرة من أن أي تدخل سوري في لبنان من شأنه أن “يفجر الوضع الأمني” ويشعل صراعاً طائفياً يخدم المخططات الإسرائيلية التوسعية.
توازن دقيق تمارسه دمشق
في المحصلة، تسعى دمشق للمضي قدماً في مسار إيجابي مع موسكو يعزز العلاقات الثنائية، مع محاولة استيعاب الضغوط الأمريكية عبر تقديم تنازلات في المجال الاقتصادي، دون المساس بالعلاقة الاستراتيجية مع روسيا. ويبدو أن الاتفاق العسكري الأخير يمثل نموذجاً لهذه السياسة المتوازنة، حيث يسمح لسوريا باستعادة سيادتها على مرافق حيوية، مع الحفاظ على وجود روسي يمنحها ورقة ضغط في مواجهة المطالب الأمريكية والإسرائيلية.
ويرى باسل الحاج جاسم، مدير العلاقات الدبلوماسية في مؤسسة “بوليتيكو تايمز”، أن الاتفاق يمثل تقليصاً للوجود العسكري الروسي بصيغته السابقة، وليس إنهاء للدور الروسي في سوريا، مرجحاً أن تتجه موسكو إلى وجود أكثر محدودية يتركز على التدريب والتعاون العسكري واللوجستي، بالتوازي مع استعادة دمشق دوراً أكبر في إدارة المنشآت وتأكيد سيادتها عليها. وأضاف أن إعادة صياغة حميميم وطرطوس تعني الانتقال من نموذج القواعد العسكرية ذات الانتشار الواسع إلى وجود روسي أكثر محدودية ومرونة، مع خفض محتمل في حجم القوات والطائرات، لكن ليس بالضرورة أن يعني انسحاباً كاملاً.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن دمشق من الاستمرار في هذا التوازن الدقيق، أم أن الضغوط الأمريكية ستشتد دفعاً بها نحو خيار أحادي قد يكلفها الكثير على المستويين السياسي والشعبي؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الحكومة السورية نجحت حتى الآن في إعادة تعريف العلاقة مع موسكو بطريقة تخدم السيادة الوطنية، مع الحفاظ على خياراتها مفتوحة تجاه الشريكين الروسي والأمريكي.
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




