بعد تعيينه مستشاراً للرئاسة.. ماذا ينتظر مظلوم عبدي؟

تشهد سوريا تفاعلاً واسعاً عقب تعيين قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي، مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، في خطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق والأكراد، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي سيضطلع به عبدي والملفات التي سيتولاها خلال المرحلة المقبلة.
وجاء التعيين بموجب المرسوم رقم 164 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع الخميس 27 أغسطس/آب، بعد يومين من إعلان حل «قسد» و«الإدارة الذاتية» في دمشق.
ويُنظر إلى الخطوة باعتبارها تحولاً سياسياً لافتاً في مسيرة عبدي، الذي قاد «قسد» منذ تأسيسها عام 2015، بعد أن برزت كقوة رئيسية في القتال ضد تنظيم «داعش» في شمال شرقي سوريا.
ولد عبدي في مدينة كوباني عام 1967، ودرس الهندسة في جامعة حلب قبل انخراطه في العمل السياسي والعسكري الكردي. وعُرف أيضاً بأسماء مصطفى عبدي وفرهاد عبدي وشاهين جيلو.
دور جديد وملفات شائكة
يثير تعيين عبدي تساؤلات حول طبيعة مهمته الجديدة، وما إذا كان سيعمل مستشاراً لشؤون شمال شرقي سوريا ومكوناتها، أو للشؤون الكردية، أو في ملفات أوسع تتعلق بالعلاقات بين المكونات السورية.
وتشير المعطيات إلى أن التعيين جاء في إطار تفاهمات سياسية هدفت إلى الانتقال من منطق المواجهة إلى مسار تفاوضي أكثر مرونة، مع بقاء عدد من الملفات الرئيسية عالقاً بين دمشق والقوى الكردية.
ومن أبرز الملفات المطروحة مستقبل القوات التابعة لـ«قسد»، وآلية دمجها ضمن مؤسسات الدولة، إضافة إلى شكل الإدارة المحلية في مناطق شمال شرقي سوريا، ومستقبل الموارد النفطية والمعابر والحدود والمطارات.
كما تبرز ملفات التعليم باللغة الكردية والحقوق الثقافية والسياسية، إلى جانب الاعتراف بالمؤسسات التعليمية القائمة في المنطقة وترتيبات إدارة المنشآت الاقتصادية والخدمية.
مطالب كردية وضمانات
وترتبط موافقة عبدي على تولي المنصب، وفق المعطيات المتداولة، بتفاهمات وضمانات بشأن مستقبل البنية العسكرية والإدارية في شمال شرقي سوريا.
وتتمثل إحدى النقاط الأساسية في كيفية دمج مقاتلي «قسد» ضمن الجيش السوري، مع طرح صيغة تتيح بقاء وحدات عسكرية ضمن تشكيلات منظمة داخل وزارة الدفاع، بدلاً من تفكيكها بصورة كاملة.
كما يبرز ملف اللامركزية الإدارية والمالية، مع مطالبة القوى الكردية بصيغة تمنح المناطق المحلية صلاحيات أوسع في إدارة الخدمات والموارد، إلى جانب ضمان الحقوق الثقافية واللغوية في الدستور الجديد.
وفي المقابل، يحمل عبدي إلى طاولة المفاوضات ملفات ذات أهمية استراتيجية لدمشق، أبرزها النفط والغاز، وإدارة مطار القامشلي والمعابر، وحماية الحدود، ومواجهة خلايا تنظيم «داعش».
حسابات دمشق
وتتعامل دمشق مع الدور الجديد لعبدي من منطلق السعي إلى استيعاب المكونات السورية ضمن مؤسسات الدولة، مع التأكيد على وحدة البلاد وفرض سيادة الدولة على كامل أراضيها.
وتتمثل الأولوية بالنسبة للحكومة السورية في إعادة بسط سلطة الدولة على المناطق الشرقية، وضمان إدارة الحدود والمعابر والثروات الطبيعية، من دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة ومكلفة.
وفي هذا السياق، تبدو دمشق أكثر ميلاً إلى نموذج اللامركزية الإدارية ضمن إطار الدولة الموحدة، مع رفض أي ترتيبات قد تقود إلى استقلال سياسي أو مالي للمناطق الواقعة شمال شرقي البلاد.
لكن تنفيذ هذا المسار يواجه تحديات عديدة، أبرزها مستقبل القوات العسكرية والأمنية التابعة لـ«قسد»، وآلية توزيع الصلاحيات والموارد، إضافة إلى الموقفين الأميركي والتركي من طبيعة التفاهم بين دمشق والقوى الكردية.
ثقل اقتصادي وأمني
ويحمل ملف شمال شرقي سوريا أهمية اقتصادية وأمنية كبيرة، ما يجعل الاتفاق بين دمشق وعبدي أكثر تعقيداً من مجرد تفاهم سياسي.
وتضم المنطقة نسبة كبيرة من موارد النفط والغاز السوري، بينها حقول العمر والسويدية ورميلان، فيما تقدر الطاقة الإنتاجية الحالية بنحو 80 ألفاً إلى 100 ألف برميل يومياً، وفق تقديرات متخصصة في قطاع الطاقة.
كما تتمتع المنطقة بأهمية زراعية كبيرة، خصوصاً في إنتاج القمح، إضافة إلى وجود سدود رئيسية على نهر الفرات، من بينها سدود الفرات والطبقة وتشرين، والتي ترتبط بإنتاج الطاقة الكهرومائية وتوفير المياه للزراعة والاستخدامات المدنية.
أما أمنياً، فيبقى ملف تنظيم «داعش» من أبرز التحديات، في ظل استمرار مخاوف من نشاط خلاياه في مناطق من الحسكة ودير الزور والرقة، إلى جانب الحاجة إلى ترتيبات جديدة لإدارة السجون والمخيمات وملاحقة العناصر المتطرفة.
وتضاف إلى ذلك تحديات البنية التحتية والطاقة والخدمات، بعد سنوات من الحرب التي ألحقت أضراراً كبيرة بشبكات الكهرباء ومحطات المياه والمنشآت النفطية، وأثرت في الظروف المعيشية للسكان.
ماذا يعني تعيين عبدي؟
رغم أن منصب المستشار الرئاسي لا يمنح صاحبه بالضرورة سلطة تنفيذية مباشرة، فإن موقع عبدي قد يوفر له دوراً مهماً في الملفات المتعلقة بشمال شرقي سوريا، خصوصاً إذا جرى تكليفه بمهام سياسية وأمنية مرتبطة بالمنطقة.
وقد يتحول المنصب إلى قناة اتصال بين الرئاسة والقوى السياسية والعسكرية والاجتماعية في المنطقة، إضافة إلى إمكانية مساهمته في إدارة المفاوضات المتعلقة بالدمج وترتيبات الحكم المحلي والموارد والملفات الأمنية.
وفي المقابل، يبقى نجاح هذه التجربة مرتبطاً بقدرة دمشق والقوى الكردية على تجاوز الملفات الأكثر حساسية، والتوصل إلى صيغة تجمع بين وحدة الدولة وحقوق المكونات المحلية.
أكراد سوريا.. خلفية تاريخية
يُعد الأكراد من أكبر المكونات القومية في سوريا، ويتركزون بصورة رئيسية في مناطق الجزيرة السورية وكوباني وعفرين، إضافة إلى وجودهم في دمشق وحلب ومناطق أخرى.
وعلى مدى عقود، واجه الأكراد سياسات تمييز وتهميش، شملت قيوداً على استخدام اللغة الكردية والتعليم بها، إضافة إلى إجراءات أثرت في الحقوق المدنية والسياسية والثقافية.
وكان إحصاء الحسكة عام 1962 من أبرز المحطات في هذا السياق، بعد تجريد عشرات الآلاف من الأكراد من الجنسية السورية، وتصنيفهم ضمن فئات حُرمت من عدد من الحقوق المدنية.
وفي سبعينيات القرن الماضي، طُبق مشروع «الحزام العربي» في مناطق من شمال شرقي سوريا، وتضمن نقل عائلات عربية إلى مناطق ذات غالبية كردية، في إطار سياسة أثارت انتقادات واسعة بسبب آثارها الديموغرافية.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، أصدرت دمشق مرسوماً تضمن إجراءات لمعالجة آثار إحصاء 1962، وإعادة الجنسية إلى المتضررين، إلى جانب الاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية والسماح بتدريسها وتجريم التمييز على أساس قومي أو لغوي.
وبذلك، يأتي تعيين عبدي في مرحلة تشهد إعادة صياغة العلاقة بين دمشق والأكراد، وسط ملفات سياسية وعسكرية واقتصادية شديدة الحساسية. وإذا نجحت الأطراف في تحويل التفاهمات الحالية إلى ترتيبات مستقرة، فقد يشكل الدور الجديد لعبدي إحدى القنوات الرئيسية لإدارة هذه المرحلة وإنهاء عقود من التوتر بين الطرفين.




