الحوثيون يفتحون جبهة الطاقة.. مأرب في قلب التصعيد

يعيد التصعيد الحوثي في محافظة مأرب، للمرة الأولى منذ سنوات، المحافظة النفطية إلى صدارة الحسابات العسكرية، في ظل مؤشرات على انتقال الجماعة إلى أسلوب جديد يقوم على تكثيف الضغط على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية للحكومة اليمنية.
وتشير مصادر عسكرية يمنية إلى أن الحوثيين يسعون إلى استعادة قدرتهم على المناورة الهجومية عبر استهداف مواقع حساسة واختبار خطوط التماس، بالتزامن مع تحركات تهدف إلى إحداث تغييرات ميدانية في عدد من الجبهات.
وبحسب المصادر، بحثت قيادات حوثية خلال الأسابيع الماضية خيارات للتصعيد على المستويين الداخلي والإقليمي، بمشاركة مستشارين إيرانيين، ومن بينها تكثيف العمليات في مأرب في حال لم تحقق التحركات البحرية أو الهجمات المحلية النتائج المطلوبة في توسيع نطاق المواجهة.
وتشير التقديرات إلى أن التصعيد قد يتخذ شكل محاولات للضغط على مأرب وإدخال منشآتها النفطية والغازية والعسكرية ضمن الأهداف المحتملة، بما يمنح الحوثيين أوراق ضغط اقتصادية وسياسية إضافية.
ويأتي ذلك بعد سنوات من الجمود العسكري الذي أعقب الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022، وسط مساعٍ حوثية لاختبار قدرة القوات الحكومية على الحفاظ على مواقعها في محيط المحافظة.
ويرى مراقبون أن العمليات الأخيرة لا تعني بالضرورة بدء هجوم شامل بهدف السيطرة على مأرب، لكنها قد تشير إلى عودة استراتيجية الضغط العسكري التدريجي، خصوصاً إذا استمرت الهجمات وتحولت إلى نمط متكرر وامتدت إلى محاور جديدة.
هدف يتجاوز الجغرافيا
تكتسب مأرب أهمية خاصة في الحسابات العسكرية بسبب موقعها الاستراتيجي وكونها من أبرز مناطق إنتاج الطاقة في اليمن، فضلاً عن كونها مركزاً رئيسياً للقوات المناهضة للحوثيين في شمال البلاد.
ويرى محللون عسكريون أن الضغط على المحافظة يمكن أن يحقق عدة أهداف في الوقت نفسه، من بينها تحقيق مكاسب ميدانية، واستنزاف القوات الحكومية، وزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية.
ولا يشترط تحقيق هذه الأهداف السيطرة الكاملة على مأرب، إذ يمكن للضغط العسكري المستمر أن يؤدي إلى تعطيل جزء من موارد المحافظة وإجبار القوات الحكومية على إعادة توزيع إمكاناتها الدفاعية.
وتشير التقديرات إلى أن الحوثيين قد يتجنبون في المرحلة الحالية شن هجوم واسع ومباشر، لصعوبة حسم معركة بهذا الحجم، ويفضلون بدلاً من ذلك بناء ضغط تدريجي من خلال استهداف مواقع محددة واستنزاف القوات واختبار نقاط الضعف في الخطوط الدفاعية.
وقد تكون العمليات الأخيرة بمثابة اختبار لمدى جاهزية القوات الحكومية وقدرتها على التعامل مع عودة الهجمات واسعة النطاق. وفي حال تحقيق مكاسب ميدانية، حتى لو كانت محدودة، فقد يدفع ذلك الحوثيين إلى زيادة مستوى التصعيد وفتح محاور جديدة.
كما يحمل الضغط على مأرب بعداً سياسياً، إذ يتيح للحوثيين تهديد إحدى أبرز مناطق نفوذ الحكومة، ودفعها إلى توجيه مزيد من الموارد العسكرية والبشرية للدفاع عن المحافظة، إلى جانب إبقاء النفط والغاز ضمن أدوات الضغط في أي مفاوضات أو ترتيبات سياسية واقتصادية مستقبلية.
وسيكون المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة مدى تحول العمليات الأخيرة إلى حملة مستمرة، وما إذا كان الحوثيون سيدفعون بتعزيزات إضافية أو يفتحون جبهات جديدة أو يحاولون استغلال أي ثغرات ظهرت خلال المواجهات.
استهداف محاور الإمداد
وشن الحوثيون خلال اليومين الماضيين عمليات منسقة استهدفت مواقع للقوات الحكومية في مأرب ومناطق قريبة منها في حضرموت، ما أدى إلى سقوط وإصابة عشرات الجنود والضباط، وفق مصادر محلية.
لكن الهجمات في محيط مدينة مأرب لم تحقق أهدافها الميدانية، في ظل جاهزية القوات الحكومية وانتشارها الدفاعي.
ويشير خبراء في الشؤون العسكرية إلى أن دقة استهداف بعض المواقع العسكرية تطرح تساؤلات بشأن المعلومات التي يمتلكها الحوثيون عن مواقع القوات وتحركاتها، سواء عبر وسائل الرصد والاستطلاع أو من خلال مصادر بشرية.
كما أن وجود بعض الوحدات العسكرية بالقرب من الطرق والمحاور التي تربط مأرب بالجوف وحضرموت قد يجعل تحركاتها أكثر عرضة للمراقبة، نظراً إلى النشاط المستمر في هذه المناطق.
ولا يبدو أن استهداف القوات يقتصر على إضعاف وحدات عسكرية محددة، إذ قد يهدف أيضاً إلى التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بمحاور الحركة والإمداد، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط التماس.
وبذلك تعود مأرب إلى واجهة التصعيد اليمني، وسط اختبار متبادل بين الحوثيين والقوات الحكومية، فيما يبقى مستقبل المواجهة مرتبطاً بمدى قدرة الجماعة على تحويل العمليات المحدودة إلى حملة عسكرية أوسع.




