أخبــاربلاد المهجر

بكين توسّع نفوذها عبر بوابة بنغلاديش

أعادت الصين إحياء مشروع ممر اقتصادي يربط مقاطعة يونان جنوب غربي البلاد بجنوب آسيا مرورًا بميانمار وبنغلاديش، في خطوة تعكس توجهًا جديدًا لبكين نحو بناء شراكات إقليمية أكثر مرونة، بعد تعثر مشروع “بنغلاديش-الصين-الهند-ميانمار” (BCIM) لسنوات بسبب تحفظات هندية.

وجاء طرح المشروع خلال زيارة رئيس الوزراء البنغلاديشي طارق رحمن إلى بكين في حزيران الماضي، إذ اقترحت الصين إنشاء ممر اقتصادي يربط مناطقها الجنوبية الغربية ببنغلاديش عبر الأراضي الميانمارية، مع ترك المجال مفتوحًا أمام مشاركة الهند ودول أخرى في مراحل لاحقة.

ويشبه المشروع المقترح ممر “BCIM” الذي كان يهدف إلى ربط مدينة كونمينغ الصينية بماندالاي في ميانمار، ثم دكا وكلكتا وصولًا إلى خليج البنغال عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية، إلا أن المشروع بقي ضمن إطار الدراسات ولم يتحول إلى واقع بسبب رفض الهند ربطه بمبادرة “الحزام والطريق” الصينية.

ومع تراجع العلاقات بين بكين ونيودلهي، خصوصًا بعد التوترات الحدودية عام 2020، يبدو أن الصين تتجه إلى تنفيذ مشاريعها مع الدول الراغبة بالمشاركة بدل انتظار توافق جميع الأطراف.

وفي حال تنفيذه، يمكن أن يشكل الممر امتدادًا لشبكات النقل التي تطورها الصين في المنطقة، وعلى رأسها الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني والممر الاقتصادي الصيني-الميانماري.

مكاسب اقتصادية لبنغلاديش والصين

يمثل المشروع فرصة لتعزيز العلاقات التجارية بين الصين وبنغلاديش، إذ تعد بكين أكبر مصدر للواردات البنغلاديشية، بقيمة تقترب من 18 مليار دولار خلال العام المالي 2024-2025، مقابل صادرات بنغلاديشية إلى الصين تقل عن مليار دولار سنويًا.

وخلال زيارته إلى بكين، دعا رئيس الوزراء البنغلاديشي إلى زيادة واردات الصين من المنتجات البنغلاديشية، خصوصًا الأدوية والجلود والمنتجات البحرية والفواكه، فيما أكدت بكين دعمها للمشروع المقترح.

ويرى خبراء أن تحسين شبكات النقل البرية قد يفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات البنغلاديشية، ويشجع على جذب استثمارات صناعية إضافية، خاصة مع قرب مقاطعة يونان الصينية من الأسواق الواقعة في جنوب آسيا.

تحديات أمنية تعرقل المشروع

رغم المكاسب الاقتصادية المحتملة، يواجه الممر تحديات كبيرة، أبرزها الوضع الأمني في ميانمار، التي تشهد صراعًا داخليًا منذ الانقلاب العسكري عام 2021.

وتسيطر جماعات مسلحة على مناطق واسعة من البلاد، ولا سيما في ولاية راخين القريبة من الحدود البنغلاديشية، وهي إحدى المناطق التي قد يمر عبرها المشروع.

كما تزيد أزمة لاجئي الروهينغيا، التي تستضيف بنغلاديش بسببها أكثر من مليون لاجئ، من تعقيد الوضع الأمني، في ظل استمرار الاشتباكات بين الجيش والجماعات المسلحة قرب المناطق الحدودية.

توسع النفوذ الصيني في خليج البنغال

استثمرت الصين خلال السنوات الماضية مليارات الدولارات في مشاريع بنية تحتية داخل ميانمار، من بينها خطوط أنابيب النفط والغاز وميناء كياوكفيو على خليج البنغال، وتسعى من خلال الممر الجديد إلى توسيع شبكة الربط التجاري نحو بنغلاديش.

ويرى محللون أن أهمية المشروع لا ترتبط فقط بمحاولة إيجاد بديل لمضيق ملقا، بل تتمثل بشكل أكبر في إنشاء شبكة لوجستية تربط جنوب غرب الصين بجنوب آسيا وتعزز حركة التجارة والاستثمار.

ويحظى المشروع بمتابعة خاصة في الهند، نظرًا لقرب مساره من الولايات الشمالية الشرقية الهندية، إضافة إلى ارتباطه بمشاريع صينية أخرى في بنغلاديش، بينها تطوير نهر تيستا القريب من ممر “سيليجوري” الاستراتيجي المعروف باسم “عنق الدجاجة”، الذي يربط الهند بولاياتها الشمالية الشرقية.

وتنظر دوائر هندية إلى توسع الحضور الصيني في هذه المنطقة باعتباره تطورًا يتجاوز الجانب الاقتصادي، في ظل المنافسة المتزايدة بين البلدين على النفوذ في جنوب آسيا.

ويرى مراقبون أن المشروع يعكس تحولًا في السياسة الصينية من السعي إلى اتفاقات إقليمية واسعة إلى التركيز على شراكات ثنائية أو محدودة يمكن تنفيذها بشكل أسرع، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام انضمام أطراف جديدة مستقبلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى