الجنوب اللبناني بين مشروع الإعمار وحسابات السياسة

تُعدّ إعادة إعمار الجنوب اللبناني واحدة من أبرز التحديات التي ستواجه الدولة في مرحلة ما بعد الحرب، إذ قد تتحول إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات وتعزيز الوحدة الداخلية، أو إلى ملف جديد للصراع السياسي والطائفي إذا فشلت الأطراف المعنية في التوافق على آلية واضحة لإدارته.
ويجمع معظم القوى السياسية على ضرورة الإسراع في إعادة الأهالي إلى قراهم وتعويض المتضررين عن الخسائر التي لحقت بهم، إلا أن الخلافات تبدأ عند الانتقال إلى التفاصيل العملية، وفي مقدمتها الجهة التي ستشرف على أموال الإعمار، وآلية تحديد الأولويات، وما إذا كانت الدولة ستكون المرجعية الوحيدة أم ستشاركها جهات وصناديق أخرى في التنفيذ.
وتزداد حساسية الملف مع ارتباط أي دعم عربي أو دولي بشروط تتعلق بالشفافية والحوكمة وتعزيز دور المؤسسات الرسمية. فالدول والجهات المانحة تشدد على ضرورة وجود آليات واضحة لإدارة التمويل وضمان وصوله إلى المشاريع المحددة، ما يجعل أي غموض في طريقة التنفيذ عاملاً قد يؤثر على حجم المساعدات وسرعة وصولها.
وفي المقابل، ترى قوى سياسية أن الجنوب لا يحتمل الانتظار في ظل حجم الأضرار والحاجات الإنسانية، وأن الأولوية يجب أن تكون لإطلاق عملية إعادة الإعمار سريعاً، ضمن صيغة تضمن مشاركة الدولة والسلطات المحلية والجهات المختصة، بعيداً عن تحويل الملف إلى ساحة جديدة للمواجهة السياسية.
ويمثل هذا الملف، في نظر كثيرين، فرصة لإعادة تثبيت دور الدولة اللبنانية، إذ إن نجاحها في إدارة عملية الإعمار بكفاءة وشفافية قد يعيد الاعتبار إلى مؤسساتها ويثبت قدرتها على تولي الملفات الوطنية الكبرى. أما العودة إلى منطق المحاصصة وتقاسم المشاريع فقد تحول الإعمار من مشروع إنقاذ إلى مصدر جديد للخلافات.
ولا ينفصل ملف إعادة إعمار الجنوب عن مسار الإصلاحات الاقتصادية والإدارية المطلوبة في لبنان، إذ تنظر الجهات الدولية إلى إعادة البناء باعتبارها جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة وتحسين إدارة المال العام، وليس مجرد إعادة ترميم للبنية التحتية المتضررة.
وفي هذا السياق، بدأت جهات مالية ودولية إعداد تقديرات أولية لحجم الأضرار والكلفة المتوقعة لمرحلة إعادة الإعمار، إلا أن الانتقال من مرحلة الدراسات إلى التمويل الفعلي يبقى مرتبطاً بتوافر ظروف سياسية واقتصادية محددة.
وتتمحور الرسائل التي تصل إلى المسؤولين اللبنانيين من العواصم الداعمة حول مبدأ أساسي، وهو أن المساعدات المقبلة لن تكون مفتوحة أو غير مشروطة، بل ستترافق مع متطلبات تتعلق بالإصلاح، وتعزيز الشفافية، وضمان قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الأموال وتنفيذ المشاريع.
وتبرز ثلاثة ملفات رئيسية في أي مقاربة دولية محتملة لدعم لبنان. أولها الحفاظ على الاستقرار الأمني ومنع عودة التصعيد، باعتبار أن أي عملية استثمار أو تمويل تحتاج إلى بيئة مستقرة. وثانيها تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية حقيقية، خصوصاً في القطاعات التي شكلت لسنوات محور انتقادات المؤسسات الدولية. أما الثالث فهو وجود إدارة لبنانية موحدة قادرة على وضع خطة واضحة لإعادة الإعمار بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.
وتسعى الجهات الدولية إلى تجنب تكرار تجارب سابقة خُصصت خلالها أموال لإعادة البناء من دون أن ترافقها إصلاحات طويلة الأمد، ما أدى إلى محدودية نتائجها الاقتصادية والتنموية. لذلك، فإن أي مؤتمر دولي محتمل لدعم لبنان سيضع الإصلاح والاستقرار في مقدمة أولوياته.
ورغم التحديات، يرى اقتصاديون أن لبنان أمام فرصة لإعادة تنشيط اقتصاده إذا تمكن من تثبيت الاستقرار وإظهار جدية في تنفيذ الإصلاحات. فقد يشكل الإعمار مدخلاً لجذب الاستثمارات، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، وخلق فرص عمل، واستعادة جزء من الثقة المحلية والدولية.
لكن هذه الفرصة تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على تجاوز الانقسامات الداخلية واتخاذ قرارات عملية. فالمجتمع الدولي، وفق هذه الرؤية، لم يعد يكتفي بالتعهدات، بل ينتظر خطوات ملموسة قبل ضخ التمويلات المطلوبة.
وبذلك تبدو معادلة المرحلة المقبلة واضحة: لا إعادة إعمار من دون استقرار، ولا استقرار اقتصادي من دون إصلاح، ولا إصلاح فعلي من دون دولة قادرة على إدارة المرحلة بكفاءة وشفافية.
ويبقى السؤال الأبرز الذي سيحدد مستقبل هذا الملف: ليس فقط من سيمول إعادة إعمار الجنوب، بل من سيتولى إدارة هذا التمويل، وبأي قواعد ومعايير؟ فالإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان الإعمار سيكون فرصة لتوحيد اللبنانيين وتعزيز دور الدولة، أم حلقة جديدة في سلسلة التجاذبات التي رافقت الملفات الوطنية الكبرى خلال العقود الماضية.




