واقع غزة المعقد يجهض خطة “مجلس السلام”

كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن تعثر الخطة التي طرحتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنشر قوة حفظ سلام دولية في قطاع غزة، في ظل تحديات أمنية وسياسية تعيق تنفيذها، رغم أن التصور الأولي كان يقضي بنشر نحو 20 ألف عنصر دولي.
وبحسب الصحيفة، لم يتجاوز الانتشار الأولي حتى الآن قوة رمزية تضم ما بين 10 و20 جنديًا، في مؤشر يعكس الفجوة بين التصورات السياسية والواقع الميداني المعقد، ويؤكد صعوبة إطلاق المهمة في ظل استمرار الاضطرابات الإقليمية.
وأشارت إلى أن مجلس السلام التابع للإدارة الأميركية اضطر إلى تأجيل مراحل أساسية من الخطة، بعدما اصطدمت المساعي الدولية بتداعيات النزاعات المتواصلة في الشرق الأوسط، وما فرضته من تحديات أمنية على الدول المرشحة للمشاركة في القوة.
انسحاب إندونيسي يربك الخطة
ويرى مراقبون عسكريون أن التصعيد الأخير في المنطقة، ولا سيما المواجهات في إيران ولبنان، ألقى بظلاله على المشروع، خاصة بعد مقتل أربعة من جنود حفظ السلام الإندونيسيين خلال اشتباكات بين القوات الإسرائيلية وعناصر من “حزب الله” في جنوب لبنان.
وأدى الحادث إلى إعلان جاكرتا تعليق مشاركتها في القوة المزمع نشرها في غزة، وهو ما شكّل ضربة كبيرة للخطة، باعتبار أن إندونيسيا كانت من أبرز الدول المرشحة للمساهمة بعدد كبير من الجنود.
ورغم هذه الانتكاسة، تواصل أربع دول مباحثاتها للانضمام إلى البعثة الدولية، وهي ألبانيا وكازاخستان وكوسوفو والمغرب، التي تتولى قيادة المرحلة الأولى من المشروع، في محاولة لإبقاء المبادرة قائمة رغم الصعوبات.
انتشار تدريجي وبنية لوجستية
وتقضي الخطة ببدء الانتشار على مراحل من خلال موقعين رئيسيين، الأول عبارة عن مركز دعم لوجستي داخل إسرائيل بالقرب من معبر كرم أبو سالم، والثاني قاعدة دعم داخل قطاع غزة.
ووفق التقرير، ستستوعب المنشأتان عند اكتمالهما نحو 5500 عنصر من أفراد القوة، فيما أوشكت أعمال إنشاء المركز اللوجستي داخل إسرائيل على الانتهاء، مع وصول أولى شحنات المركبات والمعدات، بينما لم تبدأ بعد أعمال إنشاء القاعدة داخل القطاع.
وتشير المعطيات إلى أن تصاعد التوترات الأمنية أدى إلى تراجع استعداد عدد من الدول لإرسال قواتها إلى غزة، وهو ما زاد من تعقيد جهود تشكيل القوة الدولية.
عقبات سياسية وأمنية
ولا تقتصر التحديات على الجانب العسكري، إذ تواجه الخطة عقبات سياسية تتعلق بمواقف الأطراف المتنازعة.
فبحسب التقرير، ترفض حركة “حماس” التخلي عن سلاح جناحها العسكري أو التخلي عن مسؤولياتها الأمنية داخل القطاع، في حين تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية والغارات الجوية، مع استمرار عمليات النزوح وتفاقم الأزمة الإنسانية.
وتشهد مراكز الإيواء أوضاعًا إنسانية متدهورة، في ظل نقص الخدمات الأساسية وانتشار الأمراض، ما يدفع المنظمات الدولية إلى التحذير من تفاقم الكارثة إذا لم تتحول أي هدنة إلى تحسن فعلي في حياة السكان.
وفي هذا السياق، شدد المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القدس، بات غريفيث، على ضرورة أن تنعكس أي تفاهمات ميدانية في تحسين الأوضاع الإنسانية، مؤكدًا أن استمرار الظروف الحالية ينذر بمزيد من التدهور.
تحديات ميدانية
كما تواجه مشاريع إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية عراقيل ميدانية، إذ أفاد التقرير بأن فريقًا من مساحي الأراضي مُنع من الوصول إلى مواقع مخصصة للعمل، في حادثة اعتبرها مسؤولون مؤشرًا على حجم التعقيدات التي تعترض تنفيذ الخطة.
ويرى التقرير أن هذه التطورات تعكس صعوبة ترجمة المبادرات السياسية إلى خطوات عملية في ظل استمرار الانقسام الأمني والسياسي داخل القطاع.
وفي المحصلة، تؤكد التطورات الميدانية أن نجاح أي خطة دولية لإعادة الاستقرار في غزة يبقى مرهونًا بتوفير توافق سياسي وضمانات أمنية حقيقية، إذ إن الاكتفاء بالإعلانات السياسية من دون معالجة القضايا الجوهرية قد يهدد بإفشال أي مسار نحو التهدئة وإعادة الإعمار، بينما يظل المدنيون في القطاع الأكثر تضررًا من استمرار الحرب وتعثر الحلول.




