نصف قرن غيّر العالم بين واشنطن وبكين

تأتي زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين في مايو 2026، في لحظة تُعد من أكثر المراحل توتراً في تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة والصين منذ عقود طويلة. فالعلاقة التي بدأت قبل أكثر من خمسين عاماً بمسار انفتاح تاريخي وتعاون متدرج، تحولت اليوم إلى منافسة استراتيجية معقدة تتداخل فيها ملفات التجارة والتكنولوجيا والنفوذ العسكري والصراع على قيادة النظام العالمي.
وترجع جذور هذا التحول إلى الزيارة الشهيرة التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972، وهي الزيارة التي اعتُبرت آنذاك حدثاً استثنائياً غيّر موازين السياسة الدولية. ففي ذروة الحرب الباردة، قرر نيكسون كسر عقود من القطيعة بين واشنطن وبكين، رغم أن الولايات المتحدة كانت لا تزال تعترف بتايوان بوصفها الممثل الرسمي للصين.
وكانت إدارة نيكسون ترى في التقارب مع بكين فرصة استراتيجية لمواجهة الاتحاد السوفيتي وتقليص نفوذه العالمي، خاصة مع تصاعد الخلافات بين موسكو وبكين في تلك الفترة. ومن هنا بدأت واشنطن تنظر إلى الصين باعتبارها شريكاً محتملاً في إعادة تشكيل التوازنات الدولية خلال الحرب الباردة.
وقبل الزيارة التاريخية لنيكسون، قاد مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر تحركات دبلوماسية سرية مهدت لهذا التحول الكبير. ففي عام 1971، زار كيسنجر الصين سراً والتقى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ ورئيس الوزراء تشو إن لاي، في محاولة لاستكشاف إمكانية إقامة علاقات سياسية ودبلوماسية بين البلدين، بعد أكثر من عقدين من القطيعة التي بدأت منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.
وشكل الانقسام الصيني السوفيتي آنذاك عاملاً حاسماً في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وبكين، إذ رأت الإدارة الأمريكية أن فتح صفحة جديدة مع الصين سيُضعف المعسكر السوفيتي ويمنح الولايات المتحدة هامشاً أوسع في إدارة التوازن الدولي.
وقد حملت زيارة نيكسون رمزية سياسية كبيرة، ليس فقط بسبب الاجتماعات الرسمية، بل أيضاً بسبب المشاهد التي تحولت لاحقاً إلى علامات فارقة في التاريخ الدبلوماسي، مثل جولته الشهيرة على سور الصين العظيم، إضافة إلى ما عُرف لاحقاً بـ”دبلوماسية الباندا”، عندما أرسلت الصين زوجاً من دببة الباندا إلى الولايات المتحدة في إشارة رمزية إلى بداية مرحلة جديدة من العلاقات.
وبعد سنوات قليلة، واصل الرئيس الأمريكي جيرالد فورد مسار التقارب بزيارة استمرت خمسة أيام إلى الصين في ديسمبر 1975، قبل أقل من عام على وفاة ماو تسي تونغ. وكانت الصين في ذلك الوقت تعيش أواخر سنوات الثورة الثقافية التي تسببت في اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة النطاق.
ورغم الظروف الداخلية المعقدة التي كانت تمر بها الصين، استمر مسار التقارب مع الولايات المتحدة، إلى أن توج رسمياً بإقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين عام 1979 خلال رئاسة جيمي كارتر.
ومع انطلاق الإصلاحات الاقتصادية الصينية وسياسة الانفتاح التدريجي على اقتصاد السوق، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة خلال عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، الذي زار بكين عام 1984. ورغم أن ريغان عُرف بمواقفه المتشددة تجاه الاتحاد السوفيتي، فإنه تعامل مع الصين بمنطق براغماتي، وركز بصورة أساسية على توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، وهو المسار الذي أصبح لاحقاً الركيزة الأهم في العلاقة بين البلدين.
لكن هذه العلاقة تعرضت لاختبار صعب مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ففي فبراير 1989، زار الرئيس جورج بوش الأب الصين في وقت كانت فيه البلاد تعيش حالة من التوتر السياسي المتصاعد. وتمتع بوش بعلاقة خاصة مع الصين، إذ سبق أن شغل منصب رئيس مكتب الاتصال الأمريكي في بكين بين عامي 1974 و1975، وهو المنصب الذي كان يُمثل فعلياً دور السفير قبل إقامة العلاقات الرسمية.
غير أن الأحداث التي شهدها ميدان تيانانمين في يونيو 1989 أدخلت العلاقات الأمريكية الصينية في واحدة من أصعب مراحلها، بعدما استخدم الجيش الصيني القوة ضد المحتجين، في أحداث أسفرت عن مقتل مئات وربما آلاف الأشخاص بحسب تقديرات مختلفة.
وخلال تلك المرحلة، برزت قضية المعارض الصيني وعالم الفيزياء الفلكية فانغ ليتشي، الذي اعترضت بكين على حضوره مأدبة رسمية خلال زيارة بوش. وبعد أحداث تيانانمين، لجأ فانغ وزوجته إلى السفارة الأمريكية في بكين، حيث بقيا هناك لأكثر من عام، في حادثة تحولت إلى رمز للتوتر السياسي والحقوقي بين البلدين.
ومع نهاية التسعينيات، بدأت العلاقات تستعيد شيئاً من الاستقرار، خصوصاً خلال زيارة الرئيس بيل كلينتون إلى الصين عام 1998. ففي تلك الفترة، كانت الولايات المتحدة تعيش مرحلة الهيمنة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بينما كانت الصين تواصل اندماجها المتسارع في الاقتصاد العالمي.
وسعى الرئيس الصيني آنذاك جيانغ زيمين إلى تقديم صورة أكثر انفتاحاً عن بلاده، فظهر متحدثاً باللغة الإنجليزية في بعض المناسبات، بل واستشهد بخطاب “غيتيسبيرغ” للرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام لينكولن، في محاولة لإظهار تقارب ثقافي وسياسي مع الغرب.
وشكل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 نقطة تحول محورية في مسار العلاقات الثنائية. فقد دخل الاقتصاد الصيني بعدها مرحلة نمو غير مسبوقة، بالتزامن مع توسع التبادل التجاري مع الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش، الذي زار الصين أربع مرات بين عامي 2001 و2008.
واعتبر كثيرون أن حضور بوش افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في بكين عام 2008 كان بمثابة اعتراف دولي واضح بصعود الصين كقوة عالمية جديدة. لكن في الوقت نفسه، ساهمت الأزمة المالية العالمية التي ضربت الولايات المتحدة في العام ذاته، إضافة إلى تداعيات حرب العراق، في تعزيز قناعة القيادة الصينية بأن ميزان القوة العالمي بدأ يتحول تدريجياً لصالح بكين.
وخلال فترة حكم الرئيس باراك أوباما، بدأت العلاقة بين البلدين تأخذ طابعاً أكثر تعقيداً. ففي زيارته الأولى إلى الصين عام 2009، كان أوباما يركز على مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، بينما كانت الصين تواصل نموها الاقتصادي السريع بفضل برامج التحفيز الحكومية الضخمة.
لكن مع صعود شي جين بينغ إلى السلطة، تغيرت طبيعة السياسة الصينية بصورة ملحوظة. فبحلول عام 2014، أصبحت بكين أكثر حزماً في قضايا النفوذ الإقليمي والبحار الآسيوية، كما تصاعدت الاتهامات الأمريكية للصين بالتجسس الإلكتروني وسرقة التكنولوجيا.
وفي آخر زيارة لأوباما إلى الصين عام 2016، أثار مشهد نزوله من مؤخرة الطائرة الرئاسية في مدينة هانغتشو كثيراً من التكهنات، بعدما اعتبر مراقبون أن الصين تعمدت توجيه رسالة بروتوكولية تعكس التحول في موازين القوة بين البلدين.
أما زيارة ترامب الأولى إلى الصين عام 2017، فقد جاءت في أجواء مختلفة تماماً، مع تصاعد الانتقادات الأمريكية للعجز التجاري والممارسات الاقتصادية الصينية. ورغم الأجواء الودية التي ظهرت خلال لقاءاته مع شي جين بينغ، فإن تلك المرحلة سرعان ما تحولت إلى مواجهة اقتصادية مباشرة.
ففي يناير 2018، أطلقت إدارة ترامب حرباً تجارية واسعة ضد الصين عبر فرض رسوم جمركية وعقوبات اقتصادية، لتدخل العلاقات الثنائية مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، تزامنت لاحقاً مع أزمة جائحة كورونا وما رافقها من تبادل للاتهامات السياسية والاقتصادية.
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد العلاقة بين واشنطن وبكين قائمة على فكرة “الشراكة الاقتصادية” التي سادت لعقود، بل تحولت إلى منافسة استراتيجية شاملة تشمل التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والنفوذ العسكري وسلاسل التوريد العالمية، في وقت أصبحت فيه الصين ترى نفسها قوة قادرة على منافسة الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي، بينما تنظر واشنطن إلى صعود بكين باعتباره التحدي الأكبر لنفوذها العالمي في القرن الحادي والعشرين.




