صفقة شي وترامب بين التكنولوجيا ومضيق هرمز

تتحدث تقارير عن أن القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين دشّنت مرحلة جديدة وُصفت بأنها تقوم على “تسييل الأزمات” عبر أدوات اقتصادية وتكنولوجية، حيث برزت تفاهمات غير معلنة ربطت بين ملفات نووية وأخرى تجارية وتقنية.
وبحسب ما تم تداوله، فقد أفضت اللقاءات المغلقة إلى توافق أمريكي على صيغة تقضي بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم الإيرانية وتجميد برنامج طهران النووي لفترة تمتد إلى عشرين عاماً، وذلك بضمانة صينية مشروطة، مقابل حصول واشنطن على مكاسب اقتصادية وتكنولوجية واسعة، شملت تسهيلات في تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، إضافة إلى صفقات ضخمة استفادت منها شركات أمريكية كبرى في قطاع الطيران.
وتشير المعطيات إلى أن هذا التحول انعكس مباشرة في التصريحات العلنية للرئيس ترامب عقب انتهاء الزيارة، حيث أبدى استعداداً لدعم فكرة التجميد الطويل للبرنامج النووي الإيراني، وهو ما اعتُبر تحولاً لافتاً مقارنة بالمواقف الأمريكية السابقة التي كانت تدعو إلى تفكيك كامل وفوري للبنية النووية الإيرانية وتشديد العقوبات إلى أقصى حد.
وتضيف هذه التقارير أن هذا التغيير لم يكن منفصلاً عن الدور الصيني، إذ يُنظر إلى بكين باعتبارها طرفاً قادراً على لعب دور الضامن في أي تفاهم طويل الأمد مع طهران، عبر نفوذها الاقتصادي المتزايد وعلاقاتها التجارية والطاقة مع إيران، ما يمنحها قدرة على التأثير في مسار التزاماتها.
وفي السياق نفسه، جرى ربط هذا التحول بإجراءات أمريكية موازية، حيث أُشير إلى أن ترامب طرح خيار مراجعة أو تخفيف بعض القيود المفروضة على الشركات الصينية المستوردة للنفط الإيراني، مقابل التزام صيني بالضغط على طهران لمنعها من تطوير قدرات نووية عسكرية، إضافة إلى ضمان فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بشكل منتظم.
كما لفتت بعض التقديرات إلى أن حركة ناقلات النفط الصينية في مضيق هرمز شهدت انسيابية أكبر خلال الفترة التي أعقبت التفاهمات، في إطار تنسيق غير مباشر بين بكين وطهران يهدف إلى الحفاظ على استقرار مسارات الطاقة.
ويرى مراقبون أن ربط ملف التجميد النووي الطويل الأمد بملفات الطاقة والتكنولوجيا يعكس بروز ما يمكن وصفه بمسار تفاوضي جديد تقوده بكين كبديل عملي عن المسارات الدبلوماسية التقليدية التي شهدت تعثراً خلال السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار، يُعتقد أن الصين سعت إلى توظيف ثقلها في سوق الطاقة العالمي، باعتبارها أحد أكبر مستوردي النفط من الشرق الأوسط، من أجل دفع تسوية طويلة الأمد في الملف النووي الإيراني، وفي الوقت نفسه الحصول على مكاسب في قطاع التكنولوجيا المتقدمة من الولايات المتحدة.
ويُفسَّر هذا الترابط أيضاً بأنه انعكس على مواقف واشنطن في قضايا أخرى حساسة، من بينها ملف تايوان، حيث فضلت الإدارة الأمريكية التركيز على تثبيت تفاهمات اقتصادية وأمنية مع بكين، في مقابل تسهيلات تنظيمية تسمح لشركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى بالعودة تدريجياً إلى السوق الصينية عبر نسخ معدلة من تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
كما أشارت التقديرات إلى أن مصالح القطاع الخاص لعبت دوراً محورياً في تشكيل ملامح هذه التفاهمات، إذ رُبطت التهدئة السياسية بحزمة صفقات تجارية كبرى شملت مئات الطائرات من شركة بوينغ، إضافة إلى صفقات محركات طائرات مع شركات أمريكية أخرى، ما وفر دفعة اقتصادية مباشرة لأسواق المال الأمريكية.
وفي السياق ذاته، أُشير إلى حصول شركات تكنولوجيا أمريكية كبرى على تراخيص استثنائية لتصدير رقائق متقدمة من الجيل الثاني من معالجات الذكاء الاصطناعي إلى السوق الصينية، مع شمول هذه التراخيص عدداً من الشركات الصينية الكبرى في قطاع التكنولوجيا والمنصات الرقمية، إضافة إلى شركات تصنيع وتوزيع عالمية تعمل داخل الصين.
وتضيف هذه الروايات أن التباين في الخطاب الرسمي بين واشنطن وبكين بعد القمة يعكس رغبة متعمدة في إبقاء تفاصيل التفاهمات بعيدة عن التداول العلني، حيث اكتفى الجانب الصيني بالإشارة إلى عناوين عامة تتعلق بالاستقرار، في حين ركز الجانب الأمريكي على المكاسب الاقتصادية والاتفاقات التجارية.
وفي المحصلة، تُقدَّم هذه التطورات بوصفها مؤشراً على تحول أوسع في بنية العلاقات الدولية، حيث باتت الأزمات الجيوسياسية تُدار بشكل متزاوج مع الملفات الاقتصادية والتكنولوجية، ضمن مقاربة تقوم على تحويل التوترات إلى صفقات ومكاسب قابلة للتسوية ضمن “اقتصاد سياسي” عالمي جديد.




