نحو “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”: آفاق جديدة للتعاون العلمي والتكنولوجي الصيني العربي
مقال لـ فنغ تشى
من التراكم التاريخي إلى التلاقي الاستراتيجي
تُعدّ مسيرة التعاون العلمي والتكنولوجي بين الصين والدول العربية امتداداً حديثاً للتفاعل الحضاري العريق بين الجانبين، كما يعكس تحوّلا واقعيا في هيكل العلاقات الدولية. فقد أصبح هذا المجال أحد أسرع مجالات التعاون نموا وأكثرها عمقا في منظومة العلاقات الصينية العربية خلال العقد الأخير. ومن آليات مؤسسية مثل منتدى التعاون العلمي والتكنولوجي الصيني العربي إلى إقامة مختبرات ومراكز ابتكار مشتركة في مصر والسعودية والإمارات مرورا بالتعاون في إطار مبادرة “الحزام والطريق” في مجالات الفضاء والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي وصولا إلى التعاون في مجال اللقاحات وتبادل البحوث الطبية خلال جائحة كورونا، استطاع الجانبان الانتقال من نموذج “نقل التكنولوجيا” إلى نموذج “الابتكار المشترك”.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نابع من تلاقي الرؤى التنموية لدى الجانبين. فالدول العربية تنظر إلى الابتكار العلمي بوصفه محركا رئيسيا لتحقيق رؤاها الوطنية مثل “رؤية 2030” و”الاستراتيجية الوطنية للابتكار”، فيما تضع الصين في خطتها “الخمسية الرابعة عشرة” هدف بناء دولة رائدة في العلوم والتكنولوجيا وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال. كما أن التحديات المشتركة، كالأمن الغذائي وإدارة المياه والانتقال الطاقوي والاقتصاد الرقمي، جعلت من التعاون العلمي حاجةً ملحّة لا ترفا فكريا.
يضاف إلى ذلك أن القيم الثقافية المتقاربة بين الصين والعالم العربي، التي تتمثل في احترام العقل والتمسك بالعلم والإيمان بالتعلّم المستمر، قد وفرت أساسًا اجتماعيًا وثقافيًا متميّزًا لتعاونٍ طويل الأمد. إذ إن التعاون العلمي والتكنولوجي الصيني العربي انتقل من المبادرة على المستوى المفاهيمي إلى مراحل المؤسساتية والمشروعات والمنصات. قد وضع هذا التراكم المستمر دعائم قوية لتعميق التعاون خلال “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”.
ملامح المرحلة المقبلة – تقنيات جديدة، مجالات جديدة، وشراكات متعددة
مع اقتراب تنفيذ “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”، يواجه التعاون العلمي الصيني العربي جملة من الفرص والتحديات التي ستعيد تشكيل خريطته المستقبلية. ويمكن تحديد أبرز الاتجاهات العامة في ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً، يتجه التعاون من القطاعات التقليدية إلى التقنيات المتقدمة. ففي ظل الثورة الرقمية العالمية وتسارع الابتكارات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والطاقة النظيفة، والعلوم الحيوية، يميل التعاون الصيني العربي نحو التركيز على التقنيات الاستراتيجية ذات القيمة المضافة العالية. فالنظام الصيني للملاحة “بيدو” بدأ يجد تطبيقات واسعة في الزراعة والنقل في عددٍ من الدول العربية، كما تتطور مشاريع المدن الذكية والصناعة الرقمية بالتوازي مع التحول إلى الاقتصاد الأخضر. ومن المتوقع أن تتوسع مجالات التعاون لتشمل مواجهة التغير المناخي، والطب الحيوي، والتقنيات الفضائية.
ومن جهةٍ أخرى، يتعمق التحول من التعاون الحكومي إلى شراكةٍ متعددة الأطراف. ففي الماضي، كانت الحكومات ومؤسسات البحث الرسمية هي الفاعل الأساسي في التعاون العلمي، أما في المرحلة المقبلة فسيبرز دور الجامعات، والشركات، وحاضنات الابتكار، والمجتمع المدني. فالشركات الصينية التي راكمت خبرات في مجالات الطاقة الجديدة والحوسبة السحابية والاتصالات يمكن أن تتكامل مع الكفاءات العربية الشابة وروح المبادرة المتزايدة في المنطقة. كما أن الصناديق الاستثمارية العربية والمناطق التكنولوجية الناشئة توفّر بيئة خصبة لتحويل نتائج البحث إلى تطبيقات اقتصادية.
وعلى صعيدٍ آخر، يتجه التعاون نحو الانتقال من الإطار الثنائي إلى التنسيق المتعدد الأطراف. إذ بدأ التعاون العلمي يتخذ طابعاً إقليمياً بفضل آلياتٍ مثل منتدى التعاون الصيني العربي وخطة عمل العلوم والابتكار في مبادرة الحزام والطريق. كما يجري تطوير قنوات اتصالٍ مؤسسية بين الصين وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي في مجالات الملكية الفكرية، وتبادل الباحثين، وتوحيد المعايير التقنية. هذا التحول نحو “شبكةٍ إقليمية للابتكار” من شأنه أن يمنح التعاون زخماً مؤسسياً واستراتيجياً بعيد المدى.
انطلاقاً من هذه الاتجاهات، يمكن تحديد أولويات التعاون خلال المرحلة المقبلة في ثلاث مجالات أساسية:
1. التحول الرقمي، بما يشمل البنية التحتية للاتصالات، والإدارة الإلكترونية، وحوكمة البيانات.
2. الابتكار الأخضر، في مجالات الطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، ومعالجة المياه، والنفايات.
3. تنمية الموارد البشرية والمعرفة، من خلال برامج الزمالة والبحث المشترك، ومراكز التدريب التقني، وشبكات الباحثين الشباب.
هذه المجالات الثلاثة تمثل نقاط التلاقي بين السياسات الوطنية للطرفين وبين التوجهات العالمية نحو تنمية مستدامة قائمة على العلم والمعرفة.
الآليات والثقافة العلمية – ركائز بناء الشراكة المستقبلية
إن نجاح أي مشروع للتعاون العلمي لا يُقاس بعدد الاتفاقيات أو المشاريع المنفذة فحسب، بل يعتمد على قوة الآليات المؤسسية وعمق التفاهم الثقافي والعلمي بين الشركاء. وفي هذا الجانب، تبرز الحاجة إلى تعزيز ثلاث مسارات رئيسية:
من جهةٍ أولى، يتمثل ذلك في بناء أطر قانونية وتنظيمية مستقرة. فمن الضروري تطوير منظومة من الاتفاقيات طويلة الأمد بين الصين والدول العربية في مجالات تمويل البحوث، وحماية الملكية الفكرية، وأخلاقيات البحث العلمي. كما يمكن للمنظمات الإقليمية العربية أن تلعب دوراً محورياً في تنسيق الجهود وتبادل نتائج البحث بين الدول العربية، بما يحدّ من تكرار المشاريع وتشتت الموارد.
ومن جهةٍ ثانية، يبرز تعزيز البعد الإنساني في التعاون العلمي. فالعلم ليس مجرد نقلٍ للتقنيات، بل هو حوار بين العقول والثقافات. والعالم العربي يمتلك إرثاً علمياً عظيماً في الفلك والرياضيات والطب، بينما تمتلك الصين خبرةً واسعة في البحوث التطبيقية والهندسية. ومن خلال إنشاء مراكز بحثية مشتركة، وتنظيم المؤتمرات الأكاديمية والبرامج التدريبية للباحثين الشباب، يمكن بناء مجتمع علمي حقيقي يقوم على الفهم المتبادل والثقة الأكاديمية.
وإلى جانب ذلك، يأتي تطوير المنصات الإعلامية والمعارض العلمية المشتركة. فالإعلام العلمي والمعارض التكنولوجية يمثلان أدواتٍ فاعلة في نشر ثقافة الابتكار وإبراز إنجازات التعاون المشترك. ويمكن للجانبين إطلاق “المعرض الصيني العربي للابتكار” وتنظيم منتدى سنوي للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى تعزيز التعاون بين وسائل الإعلام العلمية لنشر قصص النجاح وتبادل الخبرات.
نحو مجتمع المعرفة والابتكار المشترك
إن “الخطة الخمسية الخامسة عشرة” تمثل مرحلة جديدة في مسيرة التعاون الصيني العربي، قوامها الانفتاح والمشاركة والتكامل. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أداة للنمو الاقتصادي، بل أصبحت لغة مشتركة لفهم العالم وبناء المستقبل. وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم – من الثورة الرقمية إلى التحديات المناخية – لا بدّ للصين والعالم العربي أن يعملا معاً بروح المشاركة والمسؤولية لبناء نموذج جديد للتعاون العلمي العابر للثقافات.
إن مستقبل التعاون الصيني العربي لا يتوقف عند تبادل الخبرات أو نقل المعرفة، بل يقوم على التكامل بين العقول والرؤى، وعلى الإيمان بأن الابتكار يمكن أن يكون جسرا بين الحضارات. وكما ربط طريق الحرير القديم بين الشرق والغرب ماديا وروحيا، فإن طريق “الابتكار العلمي” اليوم سيجمع بين العلم والثقة، والتنمية والسلام، في مسيرة مشتركة نحو مستقبل أكثر إشراقاً وازدهارا.
فنغ تشى: باحثة في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




