من غزة إلى بيروت: دروس التسوية وملف حزب الله
ترجمة – نبض الشام
بينما كانت أنظار المنطقة تتجه إلى قمة شرم الشيخ لمناقشة وقف إطلاق النار في غزة، كان لبنان يراقب التطورات بقلق بالغ، مدركاً أن نتائج التسوية في القطاع قد تحدد مسار أزمته الخاصة مع إسرائيل وحزب الله. فالتشابك بين الملفين لم يعد خافياً، مع تزايد الحديث عن ضغوط أمريكية لفتح باب التفاوض وترسيم الحدود في الجنوب اللبناني.
تصريحات لافتة ومؤشرات أولية
في اليوم ذاته الذي عُقدت فيه القمة، قال الرئيس اللبناني جوزيف عون إن “الجو العام هو جو تسويات”، مؤكداً ضرورة التفاوض مع إسرائيل في الوقت المناسب. بعد أسبوع، عزز المبعوث الأمريكي توم باراك هذا التوجه حين دعا إلى نزع سلاح حزب الله وبدء مناقشات حدودية مباشرة، محذراً من مواجهة قادمة بين الحزب وإسرائيل في ظل اختلال ميزان القوى.
هدنة هشة بواقع “لا حرب ولا سلم”
منذ وقف إطلاق النار الذي رعته إدارة بايدن العام الماضي، يعيش لبنان حالة غامضة بين السلم والحرب. إذ منحت واشنطن إسرائيل تفويضاً ضمنياً لاستهداف ما تعتبره تهديدات من حزب الله، بينما طالبت بيروت بنزع سلاح الحزب. غير أن هذا الترتيب فُرض عملياً على الجانب اللبناني وحده، في وقت واصل فيه الجيش الإسرائيلي استهداف مواقع للحزب ومناطق مدنية داخل لبنان.
خطة باراك ومأزق التنفيذ
قدّم المبعوث الأمريكي توم باراك خطة زمنية لنزع سلاح حزب الله، وافق عليها الجانب اللبناني على أمل تقليص الهجمات الإسرائيلية، لكن فشل واشنطن في إقناع تل أبيب بها أدى إلى انهيارها. ولم يحظَ باراك بدعم من البيت الأبيض أو الخارجية، ما دفع إلى تكليف السفير الجديد في بيروت، ميشيل عيسى، المقرب من الرئيس ترامب، بمتابعة الملف وسط حديث عن خطة أمريكية جديدة مستوحاة من تسوية غزة.
نحو مفاوضات حدودية؟
تلمّح الخطة الجديدة إلى آلية تدريجية مشابهة لآلية غزة، تقوم على مبدأ “الخطوة مقابل الخطوة”، وربما تشمل مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، رغم تمسك بيروت بالوساطة الأمريكية. ويرى اللبنانيون أن نموذج ترسيم الحدود البحرية عام 2022 يظل الأمثل، باعتباره جرى بطريقة غير مباشرة وتحت إشراف أمريكي.
ملفات التفاوض المحتملة
تشير المعطيات إلى أن أي مفاوضات قادمة ستتناول ملف الحدود البرية المختلف عليها في 13 نقطة، إلى جانب ترتيبات أمنية قد تشمل أنظمة إنذار مبكر إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، أو حتى منطقة عازلة خالية من السكان.
وتراهن واشنطن على أن حسم ملف الحدود سيُضعف مبررات حزب الله في استمرار المقاومة المسلحة، وهو ما تتفق عليه إدارة ترامب الحالية.
تأثير غزة على المعادلة اللبنانية
اتفاق غزة، الذي تضمّن عملياً التزاماً بنزع سلاح حماس مقابل هدنة طويلة، انعكس سياسياً على لبنان. فكما أشار باحثون، يمكن للحكومة اللبنانية أن تسأل حزب الله: “إذا قبلت حماس بخطة تتضمن نزع السلاح، فلماذا لا تفعل أنت؟”
لكن الواقع أكثر تعقيداً، إذ أن حماس لم تتخلَّ عن سلاحها فعلياً رغم قبولها بالخطة، تماماً كما أن حزب الله لن يوقع على “نهاية نفسه السياسية والعسكرية”.
الخيارات العسكرية: طريق مسدود
تُظهر تجربة غزة أن الحلول العسكرية لا تؤدي إلى القضاء الكامل على التنظيمات المسلحة؛ فإسرائيل لم تتمكن من تدمير حماس رغم حربين مدمرتين. كما أن انخراط واشنطن في التفاوض المباشر مع قادة الحركة يثبت أن القوة وحدها غير كافية، وهو ما ينطبق على الحالة اللبنانية أيضاً.
نحو تسوية تدريجية لا صدامية
يبدو أن مستقبل لبنان مرتبط بتطورات غزة، لكن طريق الحل لن يكون عسكرياً، بل سياسياً تدريجياً يتجنب الانفجار.
فكلما اقتربت بيروت من فتح مفاوضات لترسيم الحدود، تقلصت مساحة حركة حزب الله، وازدادت فرص استقرار هشّ قد يمهد لتسوية أوسع، شرط أن يتجنب الجميع العودة إلى دوامة العنف.




