طريق السويداء نحو الوحدة الوطنية: اختبار لقدرة الدولة على استعادة الاستقرار
ترجمة_نبض الشام
تشهد السويداء (جنوب سوريا) منعطفاً حاسماً بعد صيف دامٍ من العنف والاشتباكات والاختطاف أثار صدى الحرب الأهلية في سوريا. خطة أمنية جديدة أعلنتها الحكومة السورية بالتنسيق مع الولايات المتحدة والأردن، تهدف إلى تهدئة الأوضاع ومنع الانفصال وتعزيز الاستقرار قبل استحقاقات سياسية دولية مقبلة. الاتفاق، إذا نجح، سيكون نموذجاً لمصالحة واسعة النطاق بين دمشق والمجتمع الدرزي، ويمهد الطريق لمشاركة المحافظات الأخرى في بناء دولة موحّدة وآمنة.
عنف يعيد ذكريات الحرب
اندلاع أعمال العنف في السويداء وريفها في منتصف يوليو، بما شمل اشتباكات مسلحة وعمليات خطف وهجمات على المدنيين والعاملين في الإغاثة وقتل محمد بحصاص في مستشفى السويداء الوطني، أعاد للأذهان أجواء الحرب الأهلية السورية.
تبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة وتورط عناصر من قوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة، إضافة إلى الاشتباكات بين مقاتلين دروز وبدو، أثار مخاوف من انفجار أوسع للعنف. وعزلت السويداء نفسها عن العاصمة وسط تصاعد دعوات بعض القيادات الروحية الدرزية للانفصال، بينما أصبحت أكثر عرضة للتدخل الإسرائيلي.
خطة لقطع الطريق على الانفصال
في ظل هذه الأوضاع، كان لا بد من إعادة ضبط العلاقة بين المجتمع الدرزي والسلطات السورية. إذ أُعلن عن خطة قد تُحبط خطر الانفصال وتُسهم في استقرار البلاد قبيل عودتها إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتشكل نموذجاً لمناطق سورية أخرى متضررة.
اتفاق أمني بمشاركة محلية
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني كشف أن الحكومة ستعتمد على القوات الأمنية المحلية في السويداء لاستقرار المحافظة وفق اتفاق مع الولايات المتحدة ينهي المواجهة بين قوات الحكومة والميليشيات الدرزية. وأوضح بعد اجتماع في دمشق مع المبعوث الأمريكي توم باراك ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن القوات الدرزية الحكومية ستؤمّن الطرق وحركة الأشخاص والتجارة في السويداء.
تفاصيل غامضة وتحديات ثقة
رغم الإعلان، بقيت تفاصيل الاتفاق غير متاحة. ومع ذلك، فإن توحيد القوات الدرزية مع قوات الدولة يعد خطوة مهمة لتلبية رغبة الطائفة في الحكم الذاتي وحاجتها للأمن، وهي مشكلة مزمنة في سوريا.
هذه الانقسامات تبرز أهمية التوازن بين احترام الاعتماد المحلي على الذات وبناء دولة موحّدة وتمثيلية حقيقية، ما يتطلب جهداً مشتركاً من ممثلي الحكومة والقادة الروحيين. وعلى دمشق أن تجعل تنفيذ الاتفاق أولوية قصوى.
دولة الكانتونات المسلحة لا تعرف السلام
دولة تتكون من كانتونات مسلحة لن تنعم بالسلام ولن تكون ملاذاً لعودة اللاجئين. ورغم أن هذه الخطوة واعدة، إلا أن التحديات مستمرة. فقد أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب تأجيل الانتخابات في السويداء والحسكة والرقة حتى توفير بيئة آمنة، لتجنب ترسيخ الانقسامات المجتمعية وخلق طبقات مختلفة من المواطنة كما حدث في الماضي.
فرصة لطي الصفحة
شهدت السويداء هذا الصيف أعمال عنف فظيعة ومعاناة كبيرة للمدنيين. ومع ذلك، يمكن لسوريا أن تطوي هذه الصفحة بالسياسات الصحيحة وبالنيات الطيبة. وإذا نجحت خطة السويداء، ستكون نموذجاً للمحافظات الأخرى للاندماج الكامل في الدولة السورية وبناء بلد أكثر وحدة واستقراراً.
يمثل اتفاق السويداء الأمني اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية على تجاوز الانقسامات المحلية وتحويل التحديات إلى فرص استقرار. نجاحه سيعيد بناء الثقة بين دمشق ومجتمعها المحلي، ويمنح نموذجاً عملياً لبقية المناطق السورية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الوحدة الوطنية وإعادة الإعمار السياسي والاجتماعي.




