حلفاء أم بيادق؟ كيف يطوع ترامب القادة الأوروبيين بينما يغازل بوتين
ترجمة – نبض الشام
في مشهد سياسي متقلب تتداخل فيه الأهواء الشخصية مع صفقات القوة، يجد القادة الأوروبيون أنفسهم بين مطرقة نفوذ فلاديمير بوتين وسندان مزاج دونالد ترامب. يسعى الأوروبيون، عبر طقوس دبلوماسية دقيقة، إلى استرضاء الرئيس الأمريكي في محاولة لتأمين الدعم الغربي، بينما يستثمر بوتين في انبهار ترامب بالسلطوية لتمرير أجندته الخاصة. وبينما يدور الصراع حول أوكرانيا، يبدو أن ميزان القوة يميل بين واشنطن وموسكو، فيما تبحث أوروبا عن دور مستقل قادر على فرض نفوذه.
طقوس دبلوماسية واسترضاء أعمى
منذ عودة ترامب إلى قلب المشهد الدولي، يتعامل القادة الأوروبيون مع مزاجه المتقلب عبر سلسلة من الطقوس الدبلوماسية الدقيقة؛ زيارات رفيعة، إيماءات محسوبة، وإطراء مبالغ فيه أملاً في كسب وده. فالعلاقة بين تصرفات القادة الأوروبيين وقرارات ترامب موجودة لكنها غير مضمونة؛ إذ يفتح الباب حيناً أمام امتيازات، ثم يغلقه دون إنذار.
ستارمر وكسب ود ترامب
في فبراير، وجّه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر دعوة رسمية لترامب لزيارة بريطانيا كضيف للملك. النتيجة كانت مميزة؛ فقد خفّف البيت الأبيض من حدة التعريفات العقابية المفروضة على لندن. وفي مارس، استغل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب مهارته في الغولف ليؤثر على ترامب، زارعاً رسائل غير مباشرة تحذره من الثقة بفلاديمير بوتين. المثير أن هذه الخطوة انعكست مباشرة على موقف ترامب، الذي بدأ يُبدي نفاد صبر تجاه موسكو.
الناتو يرفع “القرابين”
وفي قمة يونيو، عرض قادة الناتو زيادات كبيرة في ميزانيات الدفاع الوطني بوصفها “قرابين” تعبيراً عن الولاء لترامب. الأمين العام مارك روته قاد حملة التملق، واصفاً ترامب بـ”الأب” الذي أجبر أوروبا على تمويل دفاعها الذاتي. بدا أن هذه الاستراتيجية نجحت مرحلياً؛ إذ تحدث ترامب عن الحلف بحرارة غير معهودة، فيما اتخذ موقفاً أكثر صرامة تجاه روسيا.
بوتين يدخل على الخط
لكن بوتين لم يتأخر في الرد؛ إذ قاد حملة دبلوماسية مضادة أعادت ترتيب الأولويات في البيت الأبيض. خرج ترامب من قمة ألاسكا الأخيرة بخطة سلام لأوكرانيا تبدو أقرب لرؤية الكرملين منها إلى استراتيجية غربية؛ فلا وقف لإطلاق النار في المدى القريب، ولا استعادة لأراضٍ تسيطر عليها روسيا بالفعل.
اندفاع أوروبي لإنقاذ زيلينسكي
رداً على ذلك، هرع القادة الأوروبيون إلى واشنطن لتجديد دعمهم للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في محاولة لإحياء التضامن عبر الأطلسي. وعلى الرغم من تجنب تكرار مشهد الإذلال العلني لزيلينسكي في فبراير، بقي الغموض مسيطراً حول مصير أوكرانيا. فهناك حديث عن ضمانات أمنية بديلة تشبه المادة الخامسة من ميثاق الناتو دون أن تطابقها، لكن تفاصيل التنفيذ وقدرة واشنطن على ردع موسكو ما زالت أسئلة بلا أجوبة.
قمة ثلاثية مرتقبة
المشهد المقبل قد يشهد لقاء مباشراً بين زيلينسكي وبوتين، تعقبه قمة ثلاثية تضم ترامب. ورغم انفتاح بوتين الحذر على فكرة التفاوض، فإن دوائر الكرملين تبدو أقل حماسة. ويواجه الإعلام الروسي مأزقاً؛ فبعد سنوات من تصوير زيلينسكي كزعيم “نازي متعاطٍ للمخدرات”، سيكون من الصعب تسويق سيناريو جديد يظهر فيه نداً لبوتين على طاولة المفاوضات.
إنجازات بوتين في ألاسكا
حقق بوتين هدفين رئيسيين من قمة ألاسكا:
تطويع ترامب عبر فرض إطار للسلام لا يتضمن أي لوم أو تعويض على موسكو.
إعادة مشهد الحرب الباردة من خلال إظهار روسيا كندٍّ للولايات المتحدة أمام الداخل الروسي وأمام أوروبا، في رسالة مفادها أن محاولات عزل موسكو ستفشل.
ترامب وميل غريزي نحو السلطوية
يعزز ترامب هذا الموقف عبر تبنيه سردية تضع روسيا في موقع الند للولايات المتحدة، مدفوعاً بهوسه بجعل “أمريكا عظيمة مجدداً” من خلال أسلوب سلطوي يعيد إنتاج نموذج “القائد القوي”. هذا الانجذاب يفتح الباب أمام بوتين، الذي يتعامل مع ترامب كـ”تلميذ سياسي” يسعى لضمه إلى نادي القادة التاريخيين الذين يعيدون رسم خرائط العالم.
أوروبا بين فكي كماشة
وبينما يهرول القادة الأوروبيون وراء ترامب أملاً في استرضائه، يواجهون واقعاً أكثر تعقيداً؛ إذ يجدون أنفسهم في سباق مع الدعاية الروسية التي تؤثر على قراراته. وعندما يظن الأوروبيون أنهم أتقنوا “فن همس ترامب”، يفاجَؤون بأن بوتين قد سبقهم بخطوة.
الرهان على الوقت وتماسك أوروبا
في المدى القريب، لا يملك الأوروبيون بديلاً سوى متابعة نهج “الاسترضاء الجماعي”، محاولين إقناع ترامب بأن دعم استقلال أوكرانيا وضمان أمنها هو طريقه نحو “العظمة”. لكن على المدى الطويل، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى تطوير قوة اقتصادية وعسكرية مستقلة قادرة على مخاطبة الولايات المتحدة بلغة تحترمها.
تبدو الاستراتيجية الأوروبية الراهنة كرقصة دقيقة على حافة الهاوية؛ فبين استرضاء ترامب ومحاولات تحييد بوتين، تبحث القارة العجوز عن دور مستقل في عالم يعاد تشكيله. ومع أن الطقوس الدبلوماسية الحالية تمنح أوروبا بعض المكاسب، إلا أن رهانها على “صداقة ترامب” يظل ضرباً من الوهم، بينما يبقى التحدي الحقيقي في بناء قوة أوروبية موحدة قادرة على فرض احترامها في ميزان القوى العالمي.




