خارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

قانون مالي جديد في سوريا: استقلالية محلية ورقابة مركزية صارمة

خاص – نبض الشام

أعلنت وزارة المالية السورية عن إنجاز القانون المالي الأساسي الجديد الذي يحل محل قانون عام 2006، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية، وضبط الإنفاق، وتحديث إدارة المال العام. ويضم القانون 103 مواد تشمل مبادئ إصلاحية جوهرية، من ترسيخ الحوكمة الرشيدة إلى توسيع اللامركزية المالية مع استمرار الرقابة المركزية. كما يمنح القانون مرونة أوسع في إدارة الموازنات ويؤسس لآليات حديثة للتخطيط المالي ومواجهة الأزمات الاقتصادية.

إقرار المسودة النهائية للقانون
أنهت وزارة المالية، في 27 أغسطس الجاري، إعداد المسودة النهائية للقانون المالي الأساسي الجديد ليحل محل القانون المالي الأساسي رقم 54 لعام 2006.
وأوضح وزير المالية السوري محمد برنية عبر حسابه على “لينكد إن” أن الوزارة تلقت عشرات الملاحظات والمقترحات على المسودة الأولى التي جرى توزيعها قبل أكثر من شهر، وتم أخذها في الاعتبار عند إعداد الصيغة النهائية للقانون.

ويؤكد الوزير أن القانون، المكوَّن من 103 مادة، يهدف أساساً إلى تعزيز الحوكمة الرشيدة في إدارة المال العام وضمان كفاءة أكبر في ضبط الإيرادات والنفقات.

اللامركزية الإدارية واعتمادات الكوارث
لفتت “الفقرة 2” من المادة السادسة في القانون الجديد إلى مفهوم اللامركزية عبر “الوحدات الإدارية المحلية اللامركزية”، مع التأكيد على أن هذه اللامركزية لا تُسقط المسؤولية القانونية عن الموظفين المكلفين بالأعمال المالية والمحاسبية إذا خالفوا أحكام القانون أو القوانين والأنظمة ذات الصلة.

كما نصّت المادة 17 على أنه في حال عدم إقرار الموازنة العامة من مجلس الشعب قبل بداية السنة المالية، يتم فتح اعتمادات شهرية مؤقتة بمرسوم، على أساس قسمة موازنة السنة السابقة إلى 12 جزءاً. ويُعدّ هذا الإجراء امتداداً لما يُعرف بـ”الموازنة الاثني عشرية” المطبقة حالياً منذ إلغاء قانون الموازنة السابق في 2025.

أما المادة 19، فقد منحت الأمين العام لرئاسة الجمهورية (ماهر الشرع حالياً) صلاحية فتح الاعتمادات المالية اللازمة بموجب قرار من الوزير المختص في حالات الكوارث أو الظروف الاستثنائية التي تهدد أمن الدولة أو مصالحها العليا أو في مواجهة متغيرات اقتصادية غير متوقعة تؤثر على تنفيذ الموازنة العامة.

السلطة التشريعية وصلاحيات إقرار الموازنة
تنص المادة 26 من القانون على أن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية تتولى دراسة مشروع الموازنة العامة، وترفعه إلى رئيس الجمهورية بعد اعتماده بصيغته النهائية مرفقاً بتقرير وزير المالية، ليُحال بعدها إلى مجلس الشعب قبل 60 يوماً على الأقل من بداية السنة المالية.

بينما أوضحت المادة 27 أن السلطة التشريعية هي الجهة المخولة بإقرار الموازنة العامة، لكنها لم تحدد بوضوح إن كان ذلك يشمل رئيس الجمهورية، مجلس الشعب، أم كليهما.

كما تشير المادة 32 إلى أن المركزية هي الأساس في صرف النفقات، مع السماح بتطبيق اللامركزية المالية بشكل محدود ومنضبط في حالات معينة حتى يتم استكمال البنية التقنية والفنية اللازمة لتعزيز مركزية الصرف. وفي المقابل، تُلزم المادة 47 بتوريد جميع الإيرادات إلى الخزينة العامة للدولة لضمان الشفافية المالية.

المبادئ الأساسية للقانون المالي الجديد
حدد القانون الجديد مجموعة من المبادئ الإصلاحية الجوهرية في إدارة المال العام، أبرزها:
ترسيخ وحدة الموازنة العامة:
إدراج جميع إيرادات الدولة ونفقاتها ضمن الموازنة العامة لتعزيز الشفافية في التدفقات المالية.

تعزيز الشفافية والرقابة:
اعتماد آليات رقابية شاملة تشمل الرقابة المسبقة على الصرف، والرقابة الآنية المرافقة للعمليات المالية، والرقابة اللاحقة لتقييم الأداء.

التخطيط المالي متوسط الأجل:
ربط الموازنة بالخطة الوطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وخطط الوزارات والهيئات، ما يضمن استدامة الأهداف الاستراتيجية.

ضبط إدارة الدين العام:
وضع ضوابط صارمة لعمليات الاقتراض الداخلي والخارجي للحفاظ على الاستدامة المالية وتقليل المخاطر الاقتصادية.

تعزيز كفاءة الإنفاق:
الانتقال من التركيز على بنود الإنفاق التقليدية إلى ربط التمويل بتحقيق نتائج محددة، تمهيداً لاعتماد نظام موازنة البرامج والأداء مستقبلاً.

الموازنات المستقلة للجهات الاقتصادية:
منح جهات القطاع العام ذات الطابع الاقتصادي استقلالاً مالياً وإدارياً، مع مرونة أكبر في إدارة رأس المال دون إلزام وزارة المالية بتغطية عجزها.

استقلال مالي للوحدات المحلية والوقفية:
تمكين هذه الوحدات من إدارة مواردها بشكل مستقل مع استمرار الرقابة المركزية من خلال إلزامها بتقديم تقارير مالية دورية.

تحسين كفاءة العمليات المحاسبية:
الالتزام بمبدأ الاستحقاق المحاسبي واعتماد معايير المحاسبة الدولية في القطاع العام مع مرونة محدودة لتلبية الاحتياجات المحلية.

توسيع مبدأ المساءلة المالية:
إلزام جميع الجهات العامة بمسؤوليات واضحة في مجال التنفيذ، مع تعزيز دور الأجهزة الرقابية وضمان بقاء سلطة وزارة المالية في الإشراف الشامل.

مسار إقرار القانون واستقبال الملاحظات
أكد وزير المالية السوري أن القانون الجديد سيمر قريباً بمسار الإصدار الرسمي، مشيراً إلى أن الوزارة لا تزال تستقبل الملاحظات والمقترحات لتحسين مواده قبل اعتماده نهائياً.

وأوضح أن إعداد القانون استغرق نحو شهرين كاملين منذ بدء عمل اللجنة المكلفة بصياغته في 29 يونيو، رغم أن قرار تشكيلها حدد سقفاً زمنياً أقصاه 15 تموز لإنهاء أعمالها.

ويهدف القرار، بحسب وثائق رسمية، إلى إحداث تغيير نوعي في النظام المالي من خلال تحسين إدارة النفقات والإيرادات، وتوسيع استخدام الدفع الرقمي، وتطوير دور المراقب المالي ومسؤولياته بما يتماشى مع أفضل الممارسات الحديثة.

يمثل القانون المالي الأساسي الجديد في سوريا نقطة تحول مهمة في إدارة المال العام، إذ يوازن بين تعزيز اللامركزية المالية ومنح صلاحيات أوسع للوحدات المحلية، وبين الحفاظ على الرقابة المركزية لضمان الشفافية والكفاءة. ومع شموله لمبادئ إصلاحية متقدمة وآليات حديثة للتخطيط والرقابة، يُتوقع أن يشكل هذا القانون خطوة رئيسية نحو تحديث النظام المالي السوري وتحقيق استدامة اقتصادية أفضل في السنوات المقبلة.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى