ترجمات نبضتقاريرخارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

سلام بعيد المنال: لماذا يعقّد الاعتراف بالدولة الفلسطينية الأزمة أكثر مما يحلّها؟

ترجمة – نبض الشام

رغم تصاعد الجهود الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، خصوصاً من قِبل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا، فإن الواقع الميداني يجعل تحقيق هذا الحلم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. استمرار الحرب على غزة، وتوسع المستوطنات، ورفض غالبية الإسرائيليين لفكرة الدولة، جميعها تعيق أي تسوية سياسية. ويرى خبراء أن الاعتراف الرمزي بالدولة الآن قد يزيد الأزمة تعقيداً بدلاً من حلّها.

تصاعد الدعم الدولي
على المستوى الرمزي، يبدو أن حلم الفلسطينيين الطويل الأمد في إقامة دولة مستقلة أقرب من أي وقت مضى. ففي الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر المقبل، تخطط كل من بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا للانضمام إلى 147 دولة أخرى للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وإذا تحقق ذلك، فسيكون أربعة من الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن قد اعترفوا بها، ما سيترك الولايات المتحدة معزولة في معارضتها.

حرب غزة ومعارضة إسرائيلية
لكن على أرض الواقع —وهو المستوى الأكثر أهمية— فإن هدف إقامة دولة فلسطينية يبدو أبعد من أي وقت مضى. فبعد ما يقارب عامين من الحرب ضد حماس في غزة (التي اندلعت بعد أن قتلت الحركة 1200 إسرائيلي وأخذت 250 رهينة) فإن 71% من الإسرائيليين يعارضون الآن إقامة دولة فلسطينية، مقارنة بنحو نصف هذه النسبة قبل خمس سنوات.

ويستعد الجيش الإسرائيلي، بتوجيه من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لشن هجوم عسكري جديد للسيطرة على مدينة غزة واحتلالها، وهي المعقل الأخير لحماس. وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من التهجير للفلسطينيين، وسقوط المزيد من الضحايا المدنيين، وتفاقم المعاناة لسكان يواجهون أصلاً مجاعة واسعة النطاق. ومن المتوقع أن ينسحب مقاتلو حماس إلى شبكات أنفاقهم آخذين معهم ما تبقى من الرهائن.

المستوطنات تقوّض حل الدولتين
وقد تضاءل الأمل في حل الدولتين أكثر مع التوسع المستمر للمستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، التي يقطنها 3 ملايين فلسطيني. فالأربعاء الماضي، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن خطط لتنفيذ مشروع استيطاني مؤجل منذ فترة طويلة يعرف باسم E1، يتضمن بناء 3400 وحدة سكنية جديدة شرق القدس. هذا المشروع، الذي عارضته إدارتا أوباما وبايدن، سيعمل على تمزيق أوصال الضفة الغربية، وتهجير مئات البدو الفلسطينيين، وزيادة عدد المستوطنين الإسرائيليين الذي يبلغ الآن 500 ألف مستوطن.

تراجع الموقف الإسرائيلي الرسمي
ظل موقف الولايات المتحدة، عبر إدارات ديمقراطية وجمهورية متعاقبة، داعماً لإقامة دولة فلسطينية. وحتى وقت قريب، كان هذا أيضاً الموقف الرسمي لإسرائيل منذ توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993 بين رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. لكن مع وصول نتنياهو إلى السلطة على رأس ائتلاف يميني متشدد، رفضت إسرائيل رسمياً حل الدولتين. أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فلم يُبدِ اهتماماً كبيراً بالفكرة، بل دعا بدلاً من ذلك إلى إزالة جميع الفلسطينيين من غزة، وهو اقتراح غير قابل للتطبيق.

حل الدولتين والاعتراف المشروط
ولا يزال حل الدولتين هو الخيار الواقعي الوحيد لإنهاء عقود من إراقة الدماء ومنح الفلسطينيين حق تقرير المصير في وطنهم. لكن الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الوقت الحالي خطوة غير مناسبة، بل إنها قد تعطل الجهود الرامية إلى تحقيق سلام دائم.

فقد كان إنشاء الدولة الفلسطينية يُنظر إليه دائماً باعتباره المرحلة النهائية من عملية يتفق فيها الإسرائيليون على التنازل عن الأراضي المحتلة مقابل ضمان السلام. لكن الاعتراف الدبلوماسي يجب أن يكون مشروطاً وليس غاية في حد ذاته. إذ يجب أن تقوم الدولة الفلسطينية المستقبلية على الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ونبذ العنف والإرهاب. وهذا يتطلب إبعاد جماعات مثل حماس والجهاد الإسلامي عن أي دور في الحكومة المستقبلية، نظراً لرفضها الاعتراف بإسرائيل وسعيها للقضاء عليها. كما يتطلب الأمر إزالة خطاب الكراهية ضد إسرائيل واليهود من المناهج الدراسية والمساجد، وإنشاء سلطة فلسطينية مُعاد تشكيلها تتمتع بالمصداقية والموارد اللازمة لإدارة الدولة الوليدة.

خيارات محدودة وسط تعقيدات متزايدة
الاندفاع نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل بعض أقرب حلفاء إسرائيل، مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا، ينبع من إحباط مفهوم: عجزهم عن الضغط على حكومة نتنياهو لوقف حربها المدمرة على غزة وتخفيف المعاناة الإنسانية. ويُنظر إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية كطريقة دبلوماسية لـ قلب الطاولة ومحاولة إعادة إطلاق محادثات السلام من جديد. لكن النتيجة المتوقعة كانت تشدداً إسرائيلياً أكبر. فقد صرح وزير المالية الإسرائيلي المتشدد بتسلئيل سموتريتش بأن خطط توسيع المستوطنات في الضفة الغربية ستؤدي إلى “دفن فكرة الدولة الفلسطينية”، مضيفاً: “الدولة الفلسطينية تُمحى من الطاولة، ليس بالشعارات بل بالأفعال”.

وبالرغم من أن الفلسطينيين يملكون مظاهر دولة رمزية بحكم الأمر الواقع — فلديهم جوازات سفر خاصة، ويشارك رياضيوهم في الفعاليات الرياضية الدولية بما فيها الأولمبياد تحت العلم الفلسطيني — إلا أن تحويل الدولة إلى واقع يتطلب أكثر من اعتراف رمزي. فهو يتطلب القضاء على حماس، وضمان أمن إسرائيل بشكل كامل، والاتفاق على حدود معترف بها دولياً. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال مفاوضات شاقة ودقيقة تكسب دعم كلٍّ من الإسرائيليين والفلسطينيين.

يبدو أن طريق الدولة الفلسطينية يزداد تعقيداً مع تصاعد الحرب في غزة وتوسع المستوطنات ورفض غالبية الإسرائيليين للحل. ورغم الدعم الدولي الواسع، فإن السلام الحقيقي يتطلب مفاوضات صعبة ومواقف أكثر واقعية من جميع الأطراف. فالاعتراف الرمزي وحده لن يحقق الحلم الفلسطيني، بل قد يُرجئه أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى