ترجمات نبضتقاريرنبضات وآراءنبضاتهمهيدلاينز

نتنياهو أمام لحظة الحقيقة: بين نصر عسكري وتحول تاريخي مؤجل

ترجمة – نبض الشام

نتنياهو بين نصر عسكري وتحول تاريخي مؤجل
رغم قراراته الجريئة ضد إيران، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يزال بحاجة إلى شجاعة سياسية بحجم طموحه الشخصي بمضاهاة بن غوريون. الانتصار العسكري وحده لن يصنع له الإرث التاريخي، ما لم يحوّله إلى مشروع سياسي مستدام يتجاوز اليمين المتطرف ويضمن مستقبلاً أكثر استقراراً لإسرائيل.

رئيس الوزراء الإسرائيلي أظهر حزماً عسكرياً يُحترم. لكن الشجاعة السياسية يجب أن تكون خطوته التالية.
بقلم: دينيس روس، مساعد خاص للرئيس باراك أوباما، وعضو متميز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ومؤلف كتاب “فن الحكم 2.0: ما تحتاجه أميركا لقيادة عالم متعدد الأقطاب”، وترجمة “نبض الشام”.

“سأفعل ما فعله بن غوريون”
في وقتٍ متأخر من إحدى الليالي، خلال مفاوضات بروتوكول الخليل في ديسمبر 1996، قال لي بنيامين نتنياهو فجأة إنه ينوي “أن يفعل ما فعله بن غوريون”.
قلت له: “هل تقصد بيغن؟”، ظننت أنه أخطأ في الاسم. فقد سبق أن كان مناحيم بيغن زعيماً لحزب الليكود قبل نتنياهو، ومثل نتنياهو، خرج أصلاً من الحركة التصحيحية (التنقيحية).
رد نتنياهو: “لا، بيغن لم يفعل الأمور الكبرى. بن غوريون هو من فعل الأمور الكبرى”.

في وقت مبكر من مسيرته السياسية التاريخية، كان نتنياهو يخبرني أنه سيتخذ قرارات ستكون بنفس قدر أهمية قرارات دافيد بن غوريون، أول زعيم لإسرائيل. كان بن غوريون هو من أعلن استقلال إسرائيل، وهو يعلم أن الدول العربية ستغزو، وأن إسرائيل لن تحظى بأي دعم مادي مضمون من أحد. وكان أيضاً من قرر، بعد حرب الاستقلال، أن تستقبل الدولة الوليدة الفقيرة التي يبلغ عدد سكانها 600,000 نسمة ما يقرب من مليون يهودي طُردوا من العالم العربي، لأنها كانت تعتبر ذلك جوهر وجودها. تلك كانت القرارات الكبيرة والجريئة التي شكّلت مصير إسرائيل.

من متردد إلى صانع قرار
بعد مرور ثمانية وعشرين عاماً، اتخذ نتنياهو، الذي أصبح أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في المنصب، قراراً من نوع قرارات بن غوريون حين قرر مهاجمة إيران. حتى اتخاذ هذا القرار، كان نتنياهو أكثر ميلاً إلى تجنّب اتخاذ القرارات بدلاً من صنعها، إذ كان يماطل، معتقداً أن شيئاً ما سيأتي في نهاية المطاف ليجنّبه اتخاذ خيارات صعبة.

ومن الناحية السياسية، خدمته هذه الاستراتيجية بشكل جيد جداً. فمنذ عام 2009، شغل نتنياهو منصب رئيس الوزراء في كل عام ما عدا عامٍ واحد فقط. لقد كان حذراً في المجمل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصراع. فعلى سبيل المثال، كان يفضّل أن تقدم قطر الأموال لحركة حماس من أجل إبقاء غزة هادئة — وهي سياسة انفجرت في وجهه في 7 أكتوبر 2023.

حتى بعد السابع من أكتوبر، لم يتخلَّ نتنياهو فوراً عن حذره من المخاطرة. فقد تردد في البداية في السماح بعملية برية في غزة، وانتظر أحد عشر شهراً قبل أن يبدأ فعلياً في استهداف حزب الله بقيادة حسن نصر الله في لبنان.

لكن قرار نتنياهو بمهاجمة البنية التحتية النووية والصاروخية الباليستية الإيرانية كان قراراً تاريخياً، وبعيداً تماماً عن نهج الحذر من المخاطرة. كان يعلم أن إيران قد تُلحق أضراراً كبيرة بالمدن والبلدات الإسرائيلية، مع احتمال كبير لسقوط عدد كبير من الضحايا الإسرائيليين. أن تكون الحصيلة الفعلية أقل بكثير من تقديرات الجيش الإسرائيلي الرسمية، يُشير إلى أن نتنياهو تحمّل بشكل كامل تبعات الكلفة المحتملة الخطيرة لمحاولة تفكيك التهديد الإيراني عسكرياً.

الهوس الإيراني
لقد كان نتنياهو منذ وقت طويل مهووساً بالتهديد النووي الإيراني. وبينما كان اسحاق رابين ربما أول رئيس وزراء إسرائيلي يثير هذه المسألة، فإن نتنياهو كان يثيرها بانتظام مع رؤساء الولايات المتحدة بدءاً من بيل كلينتون. وحتى عندما لم يكن في الحكم، كان يؤكد على مدى طموحات إيران النووية، والطبيعة الوجودية للتهديد الذي تمثله، وضرورة أن يتحرك العالم لمنعها.

لقد نصحتُ باراك أوباما قبل لقائه الأول مع نتنياهو في عام 2009 بأن هذه المسألة تهمه أكثر من أي مسألة أخرى (وأنه ربما يكون مستعداً لتقديم تنازلات حقيقية بشأن الفلسطينيين) إذا كان أوباما على استعداد ليؤكد له أن الولايات المتحدة لن تسمح أبداً لإيران بامتلاك سلاح نووي. في ذلك الوقت، لم يكن أوباما مستعداً للذهاب إلى هذا الحد.

وفي خطابه أمام الأمم المتحدة عام 2012، أعلن نتنياهو أن امتلاك إيران لكمية من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% تكفي لصنع قنبلة نووية يُعدّ خطًا أحمر بالنسبة له. وقد عارض الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما (خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) ) رغم أنه حدّ من امتلاك إيران لمواد مخصبة تقل عن الكمية اللازمة لصنع قنبلة، وبنسبة تخصيب لا تتجاوز 3.67%. كانت مشكلة نتنياهو مع الاتفاق هي أنه شرّع لإيران امتلاك بنية تحتية نووية كبيرة، وأن القيود المفروضة على هذه البنية التحتية ستنتهي في عام 2030. وبالنسبة لنتنياهو، فإن هذا يعني أن إيران كانت تؤجل خيارها النووي، لا تتخلى عنه.

وبعد ما يقرب من عقد ونصف، تصرّف نتنياهو الآن بناءً على ما اعتبره مهمته الأساسية كرئيس للوزراء. وقد فعل ذلك بعد أن غيّر الجيش الإسرائيلي، خلال فترة ولايته، ميزان القوى الإقليمي من خلال تدمير حركتَي حماس وحزب الله، وهما أقوى وكلاء إيران الإقليميين، في حين انهار نظام الأسد في سوريا بعد ذلك بفترة وجيزة.

المعركة الحاسمة ليست عسكرية
لكن هذه القرارات المثيرة للإعجاب، رغم روعتها، لن تضع نتنياهو تلقائياً في مرتبة أعلى من مؤسس إسرائيل في كتب التاريخ. لكي يتفوق على بن غوريون، سيحتاج نتنياهو إلى تحويل هذه الإنجازات العسكرية العظيمة إلى نتائج سياسية دائمة.

وهذا يعني معالجة ملف غزة. فبعد أن تم تقويض قدرة إيران، يمكن لنتنياهو الآن أن يعلن استعداده لإنهاء الحرب والانسحاب، شريطة الإفراج عن جميع الرهائن المتبقين (سواء الأحياء أو الأموات). ورغم أنه لا شك في أن إسرائيل ستتحرك مجدداً إذا حاولت حماس إعادة تشكيل نفسها، فإن على نتنياهو الآن أن يضع خطة واقعية ويبدأ في تنفيذها لمرحلة “اليوم التالي”، خاصة من أجل ضمان وجود بديل لحركة حماس في غزة.

قوة نتنياهو الجديدة… أم نهايته السياسية؟
لقد أحجم نتنياهو عن اتخاذ هذه الخطوة بسبب معارضة شركائه في الائتلاف اليميني المتشدد، بمن فيهم الوزيران الصريحان إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين هددوا بإسقاط حكومته. لكن بعد ما حدث مع إيران، أصبح نتنياهو هو من يملك أوراق القوة، وليس هم. وبينما يجب أن يبدأ بغزة، لا ينبغي له أن يتوقف عندها. عليه أن يجهض خطط شركائه الائتلافيين في الضفة الغربية، حيث تسهم التوسعات الاستيطانية والتغييرات القانونية في فرض “سيادة بحكم الأمر الواقع”، على حد تعبير سموتريتش، على شعب فلسطيني لن يُمنح أبداً حق المواطنة الكاملة.

شبح الدولة الواحدة
مثل هذا “الحل لدولة واحدة” لا يُعدّ حلاً على الإطلاق، بل يمثل وصفة مؤكدة لحرب أبدية. لن يتخلى الفلسطينيون أبداً عن هويتهم الوطنية، وسيواصلون المقاومة. وستستمر مقاومتهم في تغذية التطرف في أرجاء المنطقة.

إن مبدأ الدولة الواحدة يُعد تهديداً واضحاً لإسرائيل ولأخلاقيات الحركة الصهيونية. فقد رفض بن غوريون احتلال الضفة الغربية عام 1948 (رغم أنه كان قادراً على ذلك)، لأنه رأى أن تلك الخطوة المصيرية ستحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، لا دولة يهودية.

اللحظة التي تحدد الإرث
لقد استمدّ بن غوريون عظمته ليس فقط من قيادته الناجحة لإسرائيل في حرب الاستقلال، بل أيضاً من الطريقة التي رسم بها مصير الدولة في أعقاب الحرب. وإذا كان نتنياهو يأمل حقاً في أن يضاهي أو حتى يتجاوز بن غوريون، فعليه أن يرى ما هو أبعد من قاعدته السياسية ليؤمّن مستقبلاً أفضل لإسرائيل. إن القيام بذلك سيتطلب شجاعة وحسماً أكبر مما أظهره حتى الآن في تعامله مع إيران. وبينما أتأمل حوارنا اللافت عام 1996، لا يسعني إلا أن أعتقد أن هذه هي اللحظة التي يمكن لنتنياهو أن يحقق فيها رؤيته الذاتية ويقوم “بالأمور الكبرى”.

تنويه: المقال يمثل رأي كاتبه فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى