لا تصدعات بل تصلّب… قراءة جديدة لإيران

تشير تقديرات صادرة عن دوائر أميركية وإسرائيلية إلى مقاربة مختلفة لطبيعة المشهد الداخلي في إيران، وذلك خلافًا للطرح الذي يكرره الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن وجود انقسامات حادة داخل بنية النظام بين تيارات متباينة. ووفق هذه التقديرات، فإن التحدي الرئيسي لا يرتبط بوجود صراع داخلي على القرار، بل يتمثل في تمسّك القيادة الإيرانية بمواقفها الأساسية، ما يحدّ من فرص التقدم في المسار التفاوضي.
وفي هذا الإطار، نقلت شبكة ABC News عن مسؤولين في الولايات المتحدة وإسرائيل قولهم إن بنية الحكم في إيران لا تشهد تصدعات جوهرية، معتبرين أن العقبة الأساسية تكمن في غياب الاستعداد لتقديم تنازلات في القضايا الخلافية، وليس في وجود انقسام داخل مراكز القرار.
وتستند هذه القراءة إلى معطيات أمنية، من بينها تقديرات لمسؤولين سابقين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تشير إلى أن آلية صنع القرار داخل إيران لم تعد مركّزة كما في السابق بيد مجتبى خامنئي، لكنها في الوقت ذاته لا تعكس حالة انقسام حاد بين مكونات النظام. ويُفهم من ذلك أن ثمة تباينات محدودة في الأساليب أو الأولويات، من دون أن ترقى إلى مستوى صراع داخلي يؤثر على وحدة القرار.
وفي المقابل، قدّمت بعض التقييمات الإسرائيلية قراءة مختلفة نسبيًا، إذ اعتبرت أن إيران باتت في موقع أضعف مقارنة بفترات سابقة، خصوصًا بعد التطورات العسكرية الأخيرة، لكنها أشارت في الوقت ذاته إلى أن الخيارات لا تزال مفتوحة، سواء في اتجاه التفاوض أو عبر مسارات أخرى.
وتأتي هذه التقديرات في أعقاب المواجهة التي اندلعت في أواخر شباط/فبراير، والتي شكّلت نقطة تحول بارزة، بعد أن طالت تداعياتها قيادات سياسية وعسكرية في إيران، من بينها علي خامنئي. وبحسب مصادر إيرانية، فقد أُصيب خليفته مجتبى خامنئي، ما أدى إلى تراجع مستوى تواصله المباشر، دون أن يعني ذلك خروجه من دائرة التأثير.
ورغم هذه التطورات، تشير المعطيات إلى أن إدارة شؤون الدولة لا تزال مستمرة من خلال دائرة ضيقة من المستشارين، ما يعكس نمطًا أكثر تركيزًا للقرار، بدلًا من تفككه. ويُنظر إلى هذا التحول على أنه إعادة تنظيم داخلية، لا تعبير عن انقسام بنيوي.
على صعيد موازٍ، تتواصل الجهود الدبلوماسية لعقد جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بمساعٍ من باكستان، في وقت يتمسك فيه كل طرف بمواقفه الأساسية. إذ تؤكد طهران تمسكها ببرنامجها النووي، بما في ذلك حق تخصيب اليورانيوم، إلى جانب برنامجها الصاروخي، كما تربط أي عودة إلى التفاوض بإنهاء القيود المفروضة على موانئها.
في المقابل، تواصل واشنطن التمسك بإجراءاتها، بما في ذلك القيود البحرية المفروضة في منطقة مضيق هرمز، إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل يتوافق مع متطلباتها الأمنية.
وتندرج هذه التطورات ضمن سياق إقليمي معقد، تتداخل فيه المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية. فمنذ اندلاع المواجهة الأخيرة، تبنّت الولايات المتحدة نهجًا تصاعديًا في الضغط، تجاوز العقوبات التقليدية ليشمل أدوات إضافية ذات طابع اقتصادي وأمني.
في المقابل، تنظر إيران إلى هذه الإجراءات بوصفها محاولة لفرض شروط تمس سيادتها، ما يدفعها إلى التشدد في مواقفها، رغم التحديات المتزايدة. كما أن التغيرات التي طالت بنية القيادة لم تؤدِّ إلى تفكك النظام، بل أسهمت في إعادة تركيز القرار ضمن نطاق أضيق، وهو ما يعقّد الرهانات على حدوث انقسامات داخلية كمدخل لتغيير السياسات.
في ضوء ذلك، تبدو العلاقة بين واشنطن وطهران متجهة نحو إدارة صراع طويل الأمد، في ظل غياب مؤشرات على حسم عسكري شامل أو تسوية سياسية قريبة، مقابل استمرار حالة من التوازن الحذر التي تحكمها اعتبارات متبادلة، بانتظار تحولات قد تعيد تشكيل المشهد في مرحلة لاحقة.




