من إيران إلى فنزويلا.. أسلحة الفضاء الأميركية في الميدان

تعمل الولايات المتحدة على تعزيز قدرات الحرب الإلكترونية ضمن «قوة الفضاء»، عبر أنظمة متخصصة في رصد الإشارات الكهرومغناطيسية والتشويش على اتصالات الأقمار الصناعية، في توجه يهدف إلى حماية القوات الأميركية والتأثير في قدرة الخصوم على التواصل وتبادل المعلومات خلال العمليات العسكرية.
وتشمل هذه المنظومات أنظمة هجومية ودفاعية تتيح مراقبة النشاط في الطيف الكهرومغناطيسي، وتحديد مصادر الإشارات التي قد تمثل تهديداً، إلى جانب تعطيل بعض الاتصالات الفضائية من دون الحاجة إلى تدمير الأقمار الصناعية نفسها.
ووفق المعلومات المتاحة عن هذه القدرات، شارك أفراد من «قوة الفضاء» في تشغيل أنظمة الحرب الإلكترونية لدعم عمليات أميركية في الخارج، بما في ذلك عمليات مرتبطة بفنزويلا وإيران. وشملت إحدى المهام، بحسب تقارير، التشويش على اتصالات الأقمار الصناعية خلال العملية الأميركية التي استهدفت اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.
«ميدولاندز».. تعطيل الاتصالات الفضائية
يُعد نظام «ميدولاندز» (Meadowlands) من أبرز المنظومات الهجومية المستخدمة في هذا المجال، إذ صُمم للتشويش على الأقمار الصناعية المعادية وقطع اتصالاتها أو إضعافها، بما يؤثر في الخدمات التي توفرها للقوات التي تعتمد عليها.
وتُستخدم الأقمار الصناعية في مهام متعددة، تشمل المراقبة ونقل البيانات والملاحة والاتصالات العسكرية. لذلك، فإن التشويش على إشاراتها قد يحد من قدرة الخصم على جمع المعلومات وتنسيق التحركات وتبادل الأوامر بين وحداته.
وتكمن أهمية هذه التقنية في إمكانية التأثير في الاتصالات الفضائية من دون تدمير الأقمار مادياً، وهو ما يجنب العمليات مخاطر إنتاج حطام مداري قد يهدد أقماراً أخرى أو يعرقل استخدام بعض المدارات مستقبلاً.
«باونتي هنتر».. تعقب الإشارات وتحديد مصادر التهديد
إلى جانب الأنظمة الهجومية، تستخدم «قوة الفضاء» نظام «باونتي هنتر» (Bounty Hunter)، المخصص لرصد النشاط داخل الطيف الكهرومغناطيسي وتحليل الإشارات التي قد تكشف عن مصادر تهديد محتملة للقوات الأميركية.
ويتيح النظام مسح الترددات وتحديد مصادر الإشارات، بما يساعد الجهات العسكرية على تكوين صورة أوضح عن البيئة المحيطة بالقوات، وتقدير المخاطر واتخاذ القرارات المناسبة للتعامل معها.
وتبرز أهمية هذه الوظيفة في التكامل بين أنظمة الرصد والتشويش؛ إذ تساعد الأولى في اكتشاف مصادر الإشارات وتحديد طبيعتها، فيما تتيح الثانية التأثير في الاتصالات التي يعتمد عليها الخصم، وفق طبيعة المهمة والظروف الميدانية.
وحدات متنقلة لتسريع نشر الحرب الإلكترونية
تعمل الولايات المتحدة كذلك على تسريع نشر نظام «الوحدة الطرفية المعيارية عن بُعد» (Remote Modular Terminal)، الذي يتميز بصغر حجمه وإمكانية نقله وتجهيزه في مواقع مختلفة.
وفي 13 آب 2026، أعلنت قيادة القوات القتالية التابعة لـ«قوة الفضاء» نجاح اختبار لمفهوم النشر السريع لهذه الوحدات، من خلال تعبئتها داخل حاويات مخصصة للنقل.
وتهدف هذه الطريقة إلى تقليل المساحة التي تشغلها المعدات على متن الطائرات إلى النصف، وخفض متطلبات الصيانة، وتحسين حماية التجهيزات وموثوقيتها أثناء النقل والتشغيل.
وتتيح هذه الوحدات توفير قدرات التشويش على وصلات الأقمار الصناعية بصورة مؤقتة، مع إمكانية تشغيلها عن بُعد ونشر أعداد منها بتكلفة أقل نسبياً. كما تمنح طبيعتها المتنقلة القوات مرونة أكبر في العمل داخل البيئات التي يصعب فيها الاعتماد على المنشآت الثابتة.
وتعمل هذه الوحدات إلى جانب نظام «ميدولاندز»، ضمن مسعى أميركي لتوسيع خيارات التعامل مع الاتصالات الفضائية المعادية، مع الحفاظ على إمكانية تعطيل الإشارات من دون تدمير الأقمار الصناعية أو التسبب في حطام مداري.
لماذا يشكل الطيف الكهرومغناطيسي ساحة عسكرية مهمة؟
تعتمد القوات الأميركية على الأقمار الصناعية في اكتشاف عمليات إطلاق الصواريخ، ودعم توجيه الأسلحة، والحصول على صور عالية الدقة لمناطق العمليات، فضلاً عن تأمين الاتصالات ونقل البيانات بين الوحدات العسكرية.
ويجعل هذا الاعتماد حماية الإشارات والقدرة على التأثير في اتصالات الخصوم جزءاً مهماً من التخطيط العسكري الحديث، خصوصاً مع تزايد استخدام الأنظمة المتصلة بالشبكات والاعتماد على البيانات في إدارة العمليات.
وأكد قائد قيادة القوات القتالية التابعة لـ«قوة الفضاء» الأميركية، الفريق غريغوري غانيون، أن السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي تمثل إحدى المهام الأساسية للقوات الأميركية، في ظل اعتماد الأنظمة العسكرية الحديثة على الإشارات لتبادل المعلومات والحفاظ على الاتصال.
ويمتد هذا الاعتماد إلى منظومات متنوعة، تشمل الغواصات والطائرات والسفن والطائرات المسيّرة والرادارات والأقمار الصناعية، ما يجعل القدرة على حماية الإشارات أو تعطيلها عاملاً مؤثراً في التنسيق العسكري.
خلفية: الحرب الإلكترونية تتجاوز ساحة المعركة التقليدية
لم تعد المواجهات العسكرية تقتصر على الأسلحة التقليدية والصواريخ والطائرات، بل باتت تشمل التحكم في تدفق المعلومات والإشارات التي تربط بين الأنظمة العسكرية. وفي هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة إلى تطوير قدرات تمكّنها من حماية اتصالاتها والتأثير في اتصالات خصومها، من دون اللجوء بالضرورة إلى تدمير البنية التحتية الفضائية.
وتعكس أنظمة «قوة الفضاء» هذا التحول نحو استخدام الحرب الإلكترونية بوصفها أداة هجومية ودفاعية في آن واحد. غير أن فاعليتها تبقى مرتبطة بظروف التشغيل وطبيعة الأنظمة المستهدفة وقدرة الخصوم على مواجهة التشويش أو إيجاد وسائل بديلة للاتصال.
ومع تزايد اعتماد الجيوش على الأقمار الصناعية والاتصالات الرقمية، يُتوقع أن يحتل التنافس على الطيف الكهرومغناطيسي موقعاً متنامياً في الحسابات العسكرية، إلى جانب المنافسة على القدرات الفضائية نفسها.




