ما بعد «اليونيفيل».. هل يواجه جنوب لبنان فراغاً دولياً؟

يواجه جنوب لبنان مرحلة حساسة مع اقتراب موعد إنهاء عمليات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، المقرر في 31 كانون الأول 2026، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي. ويثير هذا التطور تساؤلات بشأن مستقبل الرقابة الدولية على الحدود، وقدرة الجيش اللبناني على ملء الفراغ المحتمل، وانعكاسات ذلك على سيادة البلاد وأمنها واقتصادها.
ويأتي هذا التحول في ظل ضغوط أمريكية وإسرائيلية، وتغيرات ميدانية فرضتها التوغلات الإسرائيلية في مناطق حدودية، ما يضع السلطات اللبنانية أمام تحديات تتجاوز تأمين المواقع التي تشغلها القوات الدولية، لتشمل حماية الحدود والحفاظ على آليات الرقابة والتوثيق الدولية.
معضلة تسليم المواقع والبحث عن بدائل
تواجه عملية تسليم مواقع «اليونيفيل» إلى الجيش اللبناني تحديات ميدانية ولوجستية، إذ تشير تقديرات متداولة إلى أن نحو نصف المواقع ونقاط المراقبة، البالغ عددها الإجمالي قرابة 50 موقعاً، تقع ضمن مناطق تأثرت بالتوغلات الإسرائيلية أو أصبحت قريبة من نطاق انتشار القوات الإسرائيلية ونفوذها الناري.
ويعقّد هذا الواقع عملية التسليم والاستلام، في ظل الحاجة إلى ترتيبات ميدانية وسياسية تضمن انتقال المسؤوليات من دون تعريض القوات اللبنانية أو الدولية للمخاطر.
وتسعى الحكومة اللبنانية، برئاسة نواف سلام، إلى إقناع أطراف دولية بدعم ترتيبات بديلة تحول دون نشوء فراغ أمني في الجنوب. وتشمل الخيارات المطروحة إنشاء بعثة مراقبين دوليين محدودة العدد، يتراوح قوامها بين ألفين و3500 فرد، مع توفير حماية أوروبية لها، على أن تنتشر في مناطق تتيح مراقبة الأوضاع من دون الاحتكاك المباشر بالمواقع الإسرائيلية الحالية.
وفي موازاة ذلك، يجري بحث مقترح أوروبي تقوده فرنسا و إيطاليا، بالتنسيق مع دول أوروبية أخرى وتركيا، لإنشاء بعثة تمتد ثلاث سنوات، مهمتها تدريب الجيش اللبناني وتقديم الدعم اللوجستي والتقني له.
ويتضمن هذا التصور تزويد وحدات الجيش بمنظومات مراقبة، تشمل رادارات أرضية وطائرات مسيّرة قصيرة المدى، بهدف تعزيز قدراتها على متابعة التطورات الميدانية وتعويض جانب من القدرات الرقابية التي توفرها أبراج «اليونيفيل».
مخاوف من تراجع الرقابة الدولية
يمثل انتهاء مهمة «اليونيفيل» تحدياً للرقابة الدولية المباشرة على الحدود الجنوبية، في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية تسيطر على مناطق لبنانية وفق المعطيات الواردة، وسط خلافات بشأن حجم انتشارها والحدود التي تتحرك ضمنها.
ويثير غياب المراقبين الدوليين مخاوف لبنانية من اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك تجريف الأحراج وتدمير البنى التحتية وإلحاق مزيد من الأضرار بالقرى الحدودية، الأمر الذي قد يعقّد عودة النازحين إلى منازلهم.
ولا تقتصر أهمية «اليونيفيل» على وجودها الميداني، إذ تؤدي دوراً في مراقبة الأوضاع وتوثيق الحوادث والانتهاكات، بما يوفر معلومات يمكن الاستناد إليها في المسارات الدبلوماسية والقانونية أمام الأمم المتحدة والهيئات الدولية.
ومن شأن إنهاء هذه المهمة أن يفرض البحث عن آليات بديلة لجمع المعلومات والتحقق من الوقائع الميدانية، تفادياً لفقدان أحد مصادر التوثيق المستقلة على الحدود.
وتبرز كذلك مخاوف تتعلق بالخط الأزرق، الذي حددته الأمم المتحدة عام 2000 للتحقق من انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، والذي لا يُعد ترسيماً نهائياً للحدود الدولية. ويخشى مسؤولون لبنانيون أن يؤدي تراجع الحضور الدولي إلى زيادة مخاطر فرض وقائع ميدانية جديدة أو تغيير معالم مناطق حدودية متنازع عليها.
ويستند لبنان في موقفه إلى القرار 1701 والقرارات الدولية ذات الصلة، التي تشكل إطاراً أساسياً لتنظيم الوضع الأمني في الجنوب. لذلك، فإن غياب المظلة الأممية الحالية يضع الدبلوماسية اللبنانية أمام مهمة الحفاظ على الرقابة الدولية ومنع تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة أقل خضوعاً للمتابعة والتوثيق.
تداعيات اقتصادية تطال البلدات الجنوبية
لا تقتصر آثار انتهاء مهمة «اليونيفيل» المحتملة على الأمن والسياسة، بل تمتد إلى اقتصاد جنوب لبنان، الذي يعتمد جزء من نشاطه المحلي على إنفاق القوات الدولية واحتياجاتها التشغيلية.
فخلال سنوات انتشارها، وفرت البعثة الدولية طلباً على السلع والخدمات في عدد من البلدات والقرى، واستفادت منها مؤسسات صغيرة ومتوسطة تعمل في مجالات الغذاء والنقل والصيانة والإمداد والخدمات اليومية.
كما أوجد وجود آلاف الجنود والموظفين الدوليين فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للبنانيين، بينهم مترجمون ومهندسون وإداريون وعمال صيانة، إلى جانب أنشطة تجارية مرتبطة باحتياجات البعثة.
ومن المتوقع أن يؤدي توقف هذه الأنشطة، في حال عدم إيجاد بدائل اقتصادية، إلى زيادة الضغوط على المؤسسات المحلية والأسر التي تعتمد على هذه الوظائف والإيرادات، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان وتراجع القدرة الشرائية.
كذلك، ساهمت برامج التعاون المدني والعسكري التابعة للبعثة في تنفيذ مشروعات محلية شملت تأهيل الطرق والمدارس والمرافق الصحية، وتحسين شبكات المياه والطاقة، وتقديم مساعدات طبية للقرى الحدودية. وقد يفرض انتهاء المهمة البحث عن جهات بديلة لتمويل هذه المشروعات واستمرار الخدمات التي يستفيد منها السكان.
مرحلة انتقالية تتطلب ترتيبات واضحة
يضع اقتراب انتهاء مهمة «اليونيفيل» السلطات اللبنانية أمام تحدٍ مزدوج: تعزيز قدرات الجيش على الانتشار والمراقبة، والحفاظ على مستوى من الحضور الدولي يمنع اتساع المخاطر الأمنية والسيادية في الجنوب.
وتبقى فعالية أي بديل رهناً بطبيعة التفويض الممنوح له، وحجم موارده، وقدرته على الحركة والوصول إلى المناطق الحدودية، فضلاً عن مستوى الدعم الدولي الذي سيحظى به. كما يتطلب الانتقال ضمان استمرار التوثيق الميداني والتعاون مع الجيش اللبناني، إلى جانب توفير دعم اقتصادي وإنمائي للبلدات المتأثرة.
ومع استمرار المشاورات بشأن مستقبل الوجود الدولي، تتوقف قدرة لبنان على الحد من تداعيات انتهاء المهمة على التوصل إلى ترتيبات واضحة تضمن حماية الحدود، وصون السيادة، وتجنب فراغ أمني قد تمتد آثاره إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في جنوب البلاد.




