
بينما يفترض أن تقود الاتصالات السياسية بين لبنان وإسرائيل إلى تثبيت التهدئة والبحث في ترتيبات الحدود والانسحاب، يواصل التصعيد الميداني فرض نفسه على المشهد، مع استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان وتوسّع النقاش حول مستقبل المنطقة التي تصفها إسرائيل بأنها “منطقة أمنية”.
ويأتي ذلك قبل جولة جديدة مرتقبة من المفاوضات في روما، في وقت تبدو فيه الهوة بين المسار الدبلوماسي والتطورات على الأرض أكبر من أي وقت مضى. فقد أصبحت نتائج أي تفاوض مرتبطة بما يجري ميدانياً، وليس فقط بما يمكن أن تتفق عليه الوفود حول آليات وقف إطلاق النار والانسحاب وترتيبات الأمن في الجنوب.
وتزداد حساسية الجولة المقبلة مع التطورات الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر، التي تحولت خلال الأسابيع الماضية إلى إحدى أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات. وأعلنت إسرائيل أنها نفذت عملية عسكرية في المنطقة ودمرت ما قالت إنه بنية تحتية تحت الأرض، مؤكدة استمرار وجود قواتها ضمن المنطقة التي تقول إنها ضرورية لأمنها.
هذه الرواية تبقى موضع خلاف، في ظل عدم وجود اتفاق على توصيف الوضع الميداني أو مستقبل انتشار القوات الإسرائيلية في المنطقة. وتقول بيروت إن أي ترتيبات أمنية يجب أن تنتهي إلى استعادة سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، فيما تربط إسرائيل الانسحاب بملفات أمنية أخرى، أبرزها سلاح حزب الله.
الميدان يضغط على طاولة التفاوض
المشكلة الأساسية التي تواجه مفاوضات روما لا تتعلق فقط بصعوبة التوصل إلى اتفاق، بل بقدرة المسار السياسي على الصمود أمام التطورات العسكرية.
فإذا كانت التفاهمات التي يجري بحثها تحتاج إلى خطوات متبادلة على الأرض، فإن استمرار العمليات العسكرية وتغيير خطوط الانتشار قد يجعل كل جولة تفاوضية تبدأ من واقع مختلف عن الجولة السابقة. وهذا يضع لبنان أمام معادلة صعبة: التفاوض على ترتيبات الانسحاب في الوقت الذي تتغير فيه المعطيات الميدانية بصورة متواصلة.
وتكتسب مرتفعات علي الطاهر أهمية خاصة في هذا السياق، بعدما أصبحت محوراً في النقاش حول آلية تسليم مناطق محددة إلى الجيش اللبناني ضمن ما يعرف بالمناطق التجريبية أو “المناطق النموذجية”. وكانت جولات سابقة قد بحثت آليات انتشار الجيش اللبناني، والتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية، ودور طرف ثالث في مراقبة تطبيق الاتفاقات.
لكن استمرار العمليات في الجنوب يعقّد هذه الصيغة، لأن نجاحها يتطلب بيئة تسمح للجيش اللبناني بتولي مسؤولياته الأمنية من دون أن يتحول الانتقال إلى نقطة اشتباك جديدة.
المعضلة اللبنانية
بالنسبة إلى لبنان، لا تقتصر المسألة على وقف العمليات العسكرية، بل تمتد إلى كيفية تثبيت أي اتفاق ومنع تحوله إلى ترتيبات مؤقتة قابلة للانهيار عند أول أزمة.
وتطالب بيروت بأن يكون الجيش اللبناني الجهة الأساسية المسؤولة عن الأمن في الجنوب، بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، يبرز ملف سلاح حزب الله كأحد أكثر الملفات تعقيداً، خصوصاً مع الخلاف حول نطاق أي عملية لنزع السلاح، وآليات تنفيذها، والضمانات التي يفترض أن ترافقها.
وتشير المعطيات المرتبطة بالمفاوضات إلى أن الجانبين لا يزالان مختلفين حول ترتيب الأولويات. فبينما يركز لبنان على الانسحاب والحدود ووقف الاعتداءات، تضع إسرائيل الملف الأمني وسلاح حزب الله في صلب أي ترتيبات مقبلة.
وهذا التباين يجعل أي تقدم في روما مرتبطاً بإيجاد صيغة تسمح بتحقيق خطوات متوازية، بدلاً من تحويل كل ملف إلى شرط مسبق للملفات الأخرى.
الدور الأميركي تحت الاختبار
وتحاول الولايات المتحدة دفع المسار نحو صيغة تجمع بين تعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وتنفيذ ترتيبات أمنية في الجنوب، والتوصل إلى آلية لمعالجة ملف سلاح حزب الله.
وتقوم المقاربة الأميركية، وفق المواقف المعلنة، على تعزيز قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الأمنية وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، إلى جانب تثبيت ترتيبات تضمن عدم عودة التصعيد إلى الحدود.
غير أن هذه المقاربة تواجه تحدياً عملياً. فالجيش اللبناني يحتاج إلى مساحة آمنة وإلى دعم سياسي واضح كي يتولى مسؤولياته في المناطق التي يفترض أن تنتقل إليه، كما أن أي عملية لإعادة تنظيم الوضع الأمني تحتاج إلى مراحل وضمانات تحول دون تحولها إلى مواجهة داخلية.
ومن هنا، فإن الضغط باتجاه تعزيز سلطة الدولة لا يمكن فصله عن ضرورة توفير الظروف التي تسمح لها بممارسة هذه السلطة فعلياً.
هل تسبق الوقائع المفاوضات؟
التطورات الأخيرة في الجنوب تطرح سؤالاً أكبر أمام جولة روما: هل ستكون المفاوضات قادرة على وقف تغيير الوقائع على الأرض، أم أن التفاوض سيستمر بالتوازي مع عمليات عسكرية تعيد رسم المشهد قبل كل جولة جديدة؟
ويقول الجانب الإسرائيلي إن عملياته تهدف إلى منع تهديدات أمنية وإزالة بنى تحتية مرتبطة بحزب الله، بينما تعتبر بيروت أن استمرار العمليات والوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يتعارض مع الهدف المعلن للاتصالات السياسية، ويجعل استعادة سلطة الدولة أكثر صعوبة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الحديث عن الاحتفاظ بشريط داخل جنوب لبنان لعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات يثير مخاوف لبنانية من تحول الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى واقع طويل الأمد.
وفي ظل هذه المعادلة، لا تبدو مفاوضات روما مجرد جولة جديدة من المحادثات، بل اختباراً لقدرة المسار السياسي على التعامل مع واقع ميداني متغير.
فنجاح التفاوض لن يقاس فقط بصياغة اتفاق جديد، وإنما بقدرته على تحويل التفاهمات إلى خطوات ملموسة: وقف التصعيد، تثبيت الانسحاب، تمكين الجيش اللبناني من الانتشار، ومعالجة الملفات الأمنية العالقة ضمن إطار واضح ومتبادل.
أما استمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع المفاوضات، فقد يجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة، ويفتح الباب أمام فرض وقائع جديدة في الجنوب قبل أن تجد الطاولة السياسية فرصة لمعالجتها.




