أخبــاربلاد المهجرنبض الساعة

موسكو توسّع نفوذها في الساحل.. تعاون استراتيجي يفتح آفاقاً جديدة

فتحت القمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي استضافتها موسكو يومي 28 و29 تشرين الأول، الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بين روسيا وعدد من دول القارة، مع تركيز خاص على منطقة الساحل، التي شهدت توقيع تفاهمات واتفاقيات في مجالات الطاقة والنقل والصناعة، في إطار توجه لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية وتنويع العلاقات الدولية.

وشملت التحركات الروسية اتفاقيات ومشاريع مع مالي والنيجر وتوغو، بما يعكس اتساع مجالات التعاون بين موسكو وحكومات هذه الدول، في وقت تسعى فيه الأخيرة إلى تنويع شركائها وتعزيز قدراتها الاقتصادية والبنية التحتية.

ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية في ظل تراجع علاقات عدد من دول الساحل مع فرنسا وشركاء غربيين آخرين، واتجاهها نحو بناء علاقات جديدة مع روسيا، ما يضع التحركات الروسية في قلب التغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.

توغو.. ممر لوجستي يربط روسيا بدول الساحل

تسعى روسيا وتوغو إلى تطوير مشروع ممر للنقل والطاقة يتيح نقل البضائع الروسية، بما فيها الغاز الطبيعي المسال، إلى دول الساحل عبر ميناء لومي، بما يعزز موقع توغو بوصفها مركزاً لوجستياً مهماً في غرب أفريقيا.

وأعلن السفير الروسي لدى توغو، إيغور إيفدوكيموف، بدء مباحثات بشأن المشروع، الذي يحمل اسم «ممر لومي-الساحل للطاقة»، ويجري تطويره بالتشاور مع دول اتحاد الساحل.

ويأتي ذلك في أعقاب انعقاد الدورة الأولى للجنة الحكومية المشتركة بين توغو وروسيا في مدينة لومي، خلال الفترة الممتدة من 29 أيلول إلى الأول من تشرين الأول 2026، والتي تناولت ملفات التجارة والصناعة والطاقة والزراعة والنقل.

ويمثل المشروع توجهاً نحو تعزيز الربط الاقتصادي بين دول غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، من خلال الاستفادة من الموقع الجغرافي لتوغو ومرافقها البحرية، بما يفتح مسارات جديدة أمام حركة التجارة وإمدادات الطاقة.

النيجر.. تعاون نووي يتجاوز استخراج اليورانيوم

وفي النيجر، يبرز التعاون مع روسيا في قطاع الطاقة النووية، نظراً لما تمتلكه البلاد من احتياطيات كبيرة من اليورانيوم، في مقابل التحديات التي تواجهها في توفير الكهرباء لسكانها.

وأسفرت مباحثات وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف عن توقيع مذكرة تفاهم بين شركة «روساتوم» ووزارة المناجم والطاقة النيجرية، تتعلق بإطلاق برنامج متكامل للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

ولا يقتصر البرنامج على استخراج اليورانيوم، بل يشمل، وفق التصريحات الروسية، إمكانية بناء محطات لتوليد الكهرباء، وتدريب الكوادر المحلية، وتطوير البنية التحتية للطب النووي.

وأكد تسيفيليف أن الهدف يتمثل في إقامة منظومة متكاملة للطاقة النووية السلمية، بما يتيح توسيع إنتاج الكهرباء وتحسين فرص وصولها إلى المواطنين.

ويعكس هذا التوجه رغبة النيجر في الانتقال من دورها كمصدر للمواد الخام إلى الاستفادة من مواردها الطبيعية في تطوير قطاع الطاقة وتعزيز قدراتها التقنية والصناعية.

مالي.. عقد بأكثر من 45.7 مليون يورو مع «كاماز»

وفي مالي، اتخذ التعاون الروسي مساراً صناعياً ولوجستياً، مع توقيع شركة النقل والخدمات اللوجستية الحكومية عقداً مع شركة «كاماز» الروسية، تتجاوز قيمته 45.7 مليون يورو.

ولا يقتصر الاتفاق على توريد المركبات، بل يتضمن إنشاء ورشة للصيانة في العاصمة باماكو، وتوفير قطع الغيار، ونقل الخبرات والتكنولوجيا، إلى جانب تدريب فرق مالية في مدينة قازان الروسية.

كما يجري بحث إمكانية إنشاء مصنع لتجميع مركبات «كاماز» داخل مالي، وهو مشروع من شأنه، في حال تنفيذه، دعم القدرات الصناعية المحلية وتوفير فرص لتطوير مهارات العاملين في قطاع النقل.

ويعكس الاتفاق توجهاً نحو توسيع التعاون من صفقات التوريد التقليدية إلى نقل المعرفة والخبرات الفنية، بما يمنح الشراكة بعداً صناعياً طويل الأمد.

استثمارات بمليارات الدولارات في الأفق

وعلى نطاق أوسع، أعلنت روسيا استعدادها لدراسة فرص تنفيذ مشاريع استثمارية بمليارات الدولارات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

وقال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك إن موسكو تبحث هذه الفرص ضمن توجه يركز على المشاريع التي تحقق مصالح اقتصادية متبادلة للمستثمرين والدول المعنية.

وتشمل المجالات المطروحة التنقيب الجيولوجي والتقنيات المتقدمة والمنصات الرقمية، إلا أن هذه الاستثمارات لا تزال في مرحلة التخطيط والمناقشة، ولم تُحسم بعد ترتيبات تمويلها أو تنفيذها.

ويعكس طرح هذه المشاريع اهتماماً روسياً بتوسيع التعاون الاقتصادي في منطقة الساحل، مع التركيز على قطاعات يمكن أن تسهم في تطوير الموارد الطبيعية والبنية التحتية والتحول الرقمي.

تحولات في علاقات الساحل مع الغرب

وتأتي الشراكات الجديدة في سياق تحولات واسعة تشهدها منطقة الساحل، بعدما اتجهت مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى إعادة صياغة علاقاتها الخارجية، عقب تراجع علاقاتها مع فرنسا وعدد من الشركاء الغربيين.

وفي هذا الإطار، عززت هذه الدول تعاونها مع موسكو، بما في ذلك في المجال الأمني من خلال الاستعانة بعناصر الفيلق الأفريقي، إلى جانب توسيع الشراكات الاقتصادية والعسكرية.

وتنظر فرنسا إلى تنامي العلاقات الروسية مع حكومات الساحل باعتباره تحولاً مهماً في منطقة ارتبطت بها تاريخياً بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية وثيقة.

لكن الاتفاقيات الجديدة تشير إلى أن التعاون الروسي الأفريقي لم يعد محصوراً في الملفات الأمنية، بل بات يمتد إلى الطاقة والنقل والصناعة والاستثمار، وهي قطاعات تمثل جزءاً أساسياً من مساعي دول الساحل لتعزيز استقلالها الاقتصادي وتنويع خياراتها الدولية.

وبذلك، تفتح القمة الروسية الأفريقية الثالثة المجال أمام مرحلة أكثر اتساعاً في العلاقات بين موسكو ودول الساحل، تقوم على مشاريع اقتصادية وشراكات متعددة القطاعات، فيما يبقى تنفيذ التعهدات الاستثمارية وتحويل الاتفاقيات إلى مشاريع قائمة الاختبار الأهم لنتائج هذا التقارب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى