بري يرفع الغطاء عن اتفاق الإطار… ماذا وصل إلى بعبدا؟

لم يوجّه رئيس مجلس النواب نبيه بري انتقاده بصورة مباشرة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، لكنه اختار في كلمته خلال إحياء ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر أن يضع سقفاً سياسياً واضحاً أمام المسار التفاوضي الجاري مع إسرائيل، في موقف بدا أقرب إلى رسالة مباشرة إلى بعبدا بشأن حدود ما يمكن القبول به في أي تسوية مقبلة.
بري لم يعلن رفض التفاوض، لكنه اعترض على أن يتحول إلى مسار مفتوح يسمح بتقديم تنازلات في ملفات يعتبرها من صميم السيادة اللبنانية. ومن هنا جاء تحذيره من التعامل مع العناوين السيادية تحت مسميات مثل «اتفاق إطار» أو من خلال ملاحق غير معلنة، في إشارة إلى مخاوفه من أن تتجاوز التفاهمات المعلنة ما تم الاتفاق عليه فعلياً.
ويبدو أن جوهر الخلاف لا يتعلق بفكرة التفاوض نفسها، وإنما بالطريقة التي تتم بها المفاوضات والظروف المحيطة بها. فبالنسبة إلى بري، لا يمكن بناء ترتيبات جديدة بينما تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية وتتغير المعادلات الميدانية في الجنوب، لأن ذلك قد يجعل ميزان القوة على الأرض عاملاً حاسماً في صياغة أي اتفاق.
ومن هذا المنطلق، يرفض رئيس مجلس النواب فكرة إخضاع مناطق جنوبية لاختبارات أمنية أو عسكرية تسبق الانسحاب الإسرائيلي، بحيث يصبح أداء الجيش اللبناني معياراً تحدده إسرائيل لتقرير موعد الانسحاب أو شروطه.
كما يرفض أي ترتيبات تفصل أمنياً بين مناطق شمال الليطاني وجنوبه، أو تستبدل المرجعيات القائمة بآلية ثنائية تمنح إسرائيل دوراً في تحديد طبيعة الانتشار اللبناني. ويتمسك في المقابل بالقرار 1701 وبوجود اليونيفيل وبالدور الرسمي للجيش اللبناني باعتبارها ركائز لأي تسوية.
ويشمل اعتراض بري أيضاً مسألة الحقوق القانونية للبنان، إذ يرفض أن تؤدي أي تفاهمات جديدة إلى تقييد قدرة الدولة أو الأفراد على المطالبة بالتعويضات أو ملاحقة إسرائيل على خلفية الخسائر والاعتداءات.
وتنبع أهمية هذه النقطة من خشية أن تتحول المفاوضات، بدلاً من أن تكون طريقاً لإنهاء الاحتلال والاعتداءات، إلى إطار يمنح إسرائيل شروطاً إضافية للانسحاب. وفي هذه الحالة، قد يصبح كل تقدم لبناني في تنفيذ الالتزامات مقدمة لمطالب جديدة، بما يبقي مسألة الانسحاب مفتوحة زمنياً.
واستخدم بري نتائج الجولات التفاوضية السابقة لتعزيز موقفه، متسائلاً عن جدوى سبع جولات من المفاوضات في ظل استمرار الاحتلال واتساع رقعة الدمار وارتفاع أعداد الضحايا. لكن هذا الربط يبقى في إطاره السياسي، إذ لا يمكن الجزم بأن التفاوض كان سبباً مباشراً في تغيير الوقائع الميدانية، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية بالتوازي معه.
وفي طرحه للبديل، يعيد بري التأكيد على مرجعية القرار 1701 واليونيفيل والجيش اللبناني، في محاولة لمنع تحويل إسرائيل إلى طرف يحدد مدى التزام لبنان أو يقيّم أداء مؤسساته العسكرية. غير أن هذا الطرح يفتح في المقابل سؤالاً آخر حول كيفية تطبيق القرار 1701 كاملاً، بما في ذلك البنود المتعلقة بحصرية السلاح والقرار الأمني بيد الدولة اللبنانية.
وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في الموقف. فبري يضع الجيش في موقع المسؤولية عن الجنوب، لكنه لا يقدم في خطابه تصوراً واضحاً لكيفية انتقال هذه المسؤولية إلى واقع أمني كامل في ظل استمرار وجود سلاح خارج المؤسسات الرسمية.
كذلك، فإن تصوير المطالب الإسرائيلية باعتبارها تستهدف «الفتنة» أكثر من استهداف حزب الله وسلاحه لا يعكس وحده طبيعة الصراع. فإسرائيل تقول بوضوح إن عملياتها مرتبطة بقدرات الحزب العسكرية، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى فرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في الجنوب، الأمر الذي يجعل الملف قابلاً للتحول إلى مصدر توتر داخلي لبناني.
أما على المستوى الدستوري، فإن القول إن غياب الإجماع الوطني يجعل التفاوض غير شرعي يحتاج إلى تدقيق. فالدستور يمنح رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض بشأن المعاهدات بالاتفاق مع رئيس الحكومة، مع إخضاع الالتزامات الناتجة عن أي اتفاق للمسار المؤسساتي المنصوص عليه دستورياً.
لذلك، تبدو معارضة بري في جوهرها سياسية وسيادية، لا حكماً قانونياً نهائياً ببطلان أي اتفاق. أما الحديث عن وجود ملاحق سرية، فيبقى اتهاماً يحتاج إلى أدلة ومضمون واضح قبل الحكم على طبيعتها أو مدى تجاوزها للصلاحيات الدستورية.
وتتجاوز أهمية موقف بري حدود الخلاف حول تفاصيل اتفاق بعينه. فرئيس مجلس النواب يبعث برسالة مفادها أن أي تسوية تتعلق بالجنوب والسيادة لا يمكن أن تمر فقط عبر تفاهمات تنفيذية، بل تحتاج إلى غطاء سياسي ومؤسساتي أوسع.
وهذا تحديداً ما يجعل رسالته إلى بعبدا الأبرز: رئاسة الجمهورية تملك هامشاً للتفاوض، لكنها لا تملك تفويضاً مفتوحاً لإعادة تعريف قواعد السيادة أو طبيعة الانتشار الأمني أو حقوق لبنان القانونية.
وبالتالي، فإن بري لم يعلن مواجهة مباشرة مع عون، لكنه رسم حدوداً سياسية واضحة أمام خيارات الرئاسة. فالرسالة ليست رفضاً للتفاوض بقدر ما هي تحذير من الوصول إلى تسوية تجعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً بتنازلات لبنانية إضافية أو تمنح إسرائيل دوراً في تحديد مستقبل الجنوب.
وبينما تستمر المفاوضات في ظل واقع ميداني متوتر، يبدو أن المعركة انتقلت من مضمون الاتفاق فقط إلى سؤال أوسع: من يملك حق تحديد شروط التسوية اللبنانية، ومن يمنحها الغطاء السياسي النهائي؟




