أخبــاربلاد المهجرنبض الساعة

النووي الروسي.. سلاح نفوذ يتجاوز الرؤوس الحربية

ترسانة مزدوجة
يمتلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ترسانتين نوويتين تؤديان وظيفتين مختلفتين؛ الأولى عسكرية تضم آلاف الرؤوس الحربية القادرة على إحداث دمار هائل، والثانية مدنية تقوم على تصدير تكنولوجيا البرنامج النووي الروسي إلى دول أخرى، بما يمنح موسكو أداة نفوذ طويلة الأمد دون الحاجة إلى استخدام السلاح النووي.

وخلال ثلاثة أيام فقط، ظهرت مؤشرات جديدة على اتساع هذا النفوذ، مع تحركات روسية في تركيا وإيران وكازاخستان، تعكس تنامي دور موسكو في سوق الطاقة النووية العالمية.

تمدد خارجي
أعلنت تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، رغبتها في أن تتولى روسيا بناء عدة محطات للطاقة النووية داخل البلاد.

وفي اليوم التالي، عرض مسؤولون روس على ممثلين إيرانيين مسودة اتفاق لبناء سلسلة من المفاعلات النووية الصغيرة، قبل أن توقع شركة “روساتوم” الحكومية الروسية اتفاقاً مع كازاخستان لبناء محطة “بالخاش”، في خطوة تعيد الطاقة النووية إلى البلاد للمرة الأولى منذ عام 1999.

نفوذ لعقود
تمنح الطاقة النووية المدنية روسيا نوعاً مختلفاً من النفوذ مقارنة بصادرات النفط والغاز. فمن خلال “روساتوم”، تستطيع موسكو وضع التكنولوجيا والمهندسين والوقود والتمويل الروسي في قلب البنية التحتية الحيوية للدول الأخرى، بما يجعل العلاقة معها ممتدة لعقود.

وتختلف طبيعة هذا النفوذ وفقاً للعقود الموقعة. ففي كازاخستان، ستتولى “روساتوم” تصميم محطة “بالخاش” بقدرة 2400 ميغاواط، إلى جانب توفير المشتريات وبناء المحطة وتشغيلها، فضلاً عن تأمين الوقود والخبرات الفنية، قبل انتقالها إلى شركة كازاخستانية تديرها وكالة الطاقة الذرية في البلاد.

أما في تركيا، فمن المتوقع أن توفر محطة “أكويو” أكثر من 10% من احتياجات البلاد من الكهرباء عند اكتمالها. وتمتلك “روساتوم” كامل الشركة المسؤولة عن المشروع وفق نموذج البناء والتملك والتشغيل، فيما تلتزم شركة “TVEL” التابعة لها بتوفير الوقود طوال العمر التصميمي للمفاعلات، والمقدر بـ60 عاماً.

هيمنة سوقية
تعزز هذه المشاريع موقع “روساتوم” في سوق الطاقة النووية العالمية. وحتى فبراير، كانت هناك 20 وحدة مفاعل روسية على الأقل قيد الإنشاء في سبع دول أجنبية، بينها تركيا والمجر والصين، إضافة إلى ست وحدات داخل روسيا.

وتقول “روساتوم” إنها تستحوذ على أكثر من ثلث السوق العالمية لخدمات تخصيب اليورانيوم، ونحو خُمس إمدادات الوقود النووي، بينما تقدر وزارة الطاقة الأمريكية حصة روسيا من قدرات التخصيب العالمية بنحو 44%.

العقوبات تعرقل التوسع
لا يخلو هذا التوسع من عقبات، إذ فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات على عشرات المسؤولين في “روساتوم” وشركات تابعة لها، لكن الشركة الأم لم تخضع للعقوبات الشاملة المفروضة على قطاعات النفط والمال الروسية.

وأكدت المفوضية الأوروبية في يوليو أن “روساتوم” لا تزال خارج قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي، بسبب صعوبة استبدال الوقود النووي الروسي واعتماد بعض الدول الأعضاء عليه.

كما يتضمن الحظر الأمريكي على واردات اليورانيوم الروسي منخفض التخصيب إعفاءات تمتد حتى عام 2027، في حال عدم وجود بدائل أو اعتبار الواردات ضرورية للمصلحة الوطنية.

مشاريع تحت الضغط
تواجه مشاريع “روساتوم” الخارجية أيضاً تأخيرات مرتبطة بالعقوبات والقيود على التوريد.

فقد تأخر تشغيل المفاعل الأول في محطة “أكويو”، فيما جمدت العقوبات الغربية نحو ملياري دولار مخصصة للبناء، كما رفضت شركة ألمانية توريد مكونات كهربائية رئيسية، ما دفع روسيا إلى البحث عن بدائل من الصين.

وتعرض مشروع “باكس-2″ في المجر لتأخير مماثل، بعد حجب ألمانيا رخصة تصدير أنظمة تحكم، بينما تعاقدت بودابست مع شركة أمريكية لتوريد الوقود لمفاعلاتها روسية التصميم اعتباراً من عام 2028.

ورغم هذه العقبات، ارتفعت قيمة دفتر الطلبات الخارجية لـ”روساتوم” بنسبة 2.9% العام الماضي، لتصل إلى 206.2 مليار دولار، وفق تقريرها السنوي.

قوة الردع
على الجانب العسكري، يقدر المخزون النووي الروسي بنحو 4400 رأس نووي، فيما تستحوذ روسيا والولايات المتحدة معاً على نحو 83% من الأسلحة النووية الموجودة في المخزونات العالمية.

وتمنح هذه الترسانة موسكو قوة ردع استراتيجية، إلا أن نفوذها النووي المدني يؤدي وظيفة مختلفة وأكثر امتداداً زمنياً.

نفوذ بلا إطلاق
بينما توفر الأسلحة النووية لروسيا قدرة على الردع، تمنحها “روساتوم” نفوذاً قائماً على الاعتماد المتبادل، إذ تربط حكومات أجنبية باحتياجات طويلة الأمد من الطاقة والتكنولوجيا والوقود والخبرات.

وبذلك، تتحول الطاقة النووية المدنية إلى أداة نفوذ روسية تمتد لعقود، وتسمح لموسكو بتعزيز حضورها الاستراتيجي في دول مختلفة دون الحاجة إلى إطلاق رأس حربي واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى