إيران تؤجل الحسم.. السلاح والفصائل العراقية في معادلة جديدة

لم يعد الخلاف في العراق يتركز فقط على وقف الاستخدام المستقل لسلاح الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، بل توسع ليشمل مسألة أكثر حساسية تتعلق بمكان تخزين الأسلحة والجهة التي تملك القدرة الفعلية على الوصول إليها واستخدامها.
وبينما تتحرك بغداد لتنظيم حيازة السلاح وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، تطرح إيران، وفق مصادر عراقية وتقارير متداولة، صيغة تقوم على إبقاء ترسانة الفصائل من دون استخدامها بشكل مستقل، بدلاً من تسليمها بالكامل إلى الحكومة أو تفكيكها.
مخازن السلاح في صلب الخلاف
وقال مصدر سياسي عراقي مقرّب من «الإطار التنسيقي» إن المفاوضات دخلت مرحلة حساسة، مشيراً إلى أن النقاش لم يعد يتركز على مبدأ وقف الاستخدام المستقل للسلاح، بل على الجهة التي ستتولى تخزينه ومن ستكون لديها القدرة على فتح المخازن.
وأوضح المصدر أن بعض الفصائل تخشى أن يؤدي نقل أسلحتها إلى مخازن لا تخضع لسيطرتها إلى تحول الإجراء المؤقت إلى عملية نزع دائم للسلاح مستقبلاً.
وبحسب المصدر، يجري بحث خيارين رئيسيين؛ الأول نقل الأسلحة إلى مخازن هيئة الحشد الشعبي، مع تسجيل أنواعها وأرقامها وكمياتها والجهة التابعة لها، والثاني إبقاؤها داخل مخازن الفصائل مع الالتزام بعدم استخدامها إلا بموافقة رسمية.
ويُنظر إلى الخيار الثاني، وفق المصدر، على أنه الأقرب إلى الطرح الإيراني، لأنه يقيد قرار استخدام السلاح من دون إنهاء القدرة العسكرية للفصائل.
تحركات إيرانية في بغداد
وتزامنت هذه المناقشات مع سلسلة زيارات لمسؤولين إيرانيين إلى بغداد، تناولت، وفق مصادر عراقية، ملف السلاح والعلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.
وفي 10 آب، زار قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني بغداد، والتقى مسؤولين وقيادات سياسية وفصائل مسلحة، من بينهم هادي العامري، وسط حديث عن بحث ملف تنظيم السلاح.
كما زار رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بغداد، وتحدثت مصادر عراقية عن طرح يتعلق بإبقاء أسلحة الفصائل في مخازنها أو وضعها ضمن مخازن الحشد الشعبي، بدلاً من تسليمها مباشرة إلى الحكومة.
وتحدثت تقارير عراقية كذلك عن مقترحات لتجميد السلاح الثقيل أو إبقائه ضمن ألوية تابعة للحشد الشعبي، بما يجعله جزءاً من مؤسسة رسمية، مع استمرار قدرة الفصائل على الوصول إليه مستقبلاً.
وفي 26 آب، زار محسن قمي، مستشار الشؤون الخارجية للمرشد الأعلى الإيراني، بغداد والتقى قيادات سياسية وفصائل مسلحة، في اجتماع شارك فيه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي.
وقالت مصادر مطلعة إن قمي شدد خلال اللقاء على الحفاظ على وحدة ما تصفه طهران بـ«جبهة المقاومة»، وأبدى دعم بلاده لتنظيم السلاح، مع ربط التسليم الكامل، وفق المصادر، بانسحاب القوات الأميركية من العراق وتطبيق الإجراءات نفسها على جميع الجماعات المسلحة.
موعد 30 أيلول تحت الاختبار
وبحسب مصادر عراقية، ساهمت التحركات الإيرانية في إعادة النقاش حول الموعد الذي حددته الحكومة العراقية سابقاً، في 30 أيلول، لتنظيم ملف سلاح الفصائل.
وأشارت تصريحات حكومية لاحقة إلى أن الموعد مرتبط أيضاً بجدول انسحاب القوات الأميركية من العراق، ما فتح الباب أمام احتمال استمرار المفاوضات بعده.
وفي 1 أيلول، نفى مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الأمنية قاسم الأعرجي وجود تدخل إيراني في ملف السلاح، مؤكداً أن القضية عراقية والحل يجب أن يكون عراقياً.
وأوضح الأعرجي أن 30 أيلول لا يمثل نهاية عملية تنظيم السلاح، مشيراً إلى استمرار الاتصالات بعد هذا التاريخ، فيما قال إن هيئة الحشد الشعبي قد تكون الجهة الأقرب إلى تسلّم الأسلحة.
وأكد أن الهدف النهائي يتمثل في حصر قرار الحرب والسلام بيد القائد العام للقوات المسلحة.
بين تنظيم السلاح والحفاظ على القدرة العسكرية
ويرى مراقبون أن جوهر الخلاف يتجاوز مسألة تخزين الأسلحة، ليصل إلى مستقبل القدرات العسكرية التي تمتلكها الفصائل المسلحة، والجهة التي ستكون صاحبة القرار في استخدامها.
وتشير القراءة المتداولة إلى أن صيغة «تجميد السلاح» يمكن أن تحقق لطهران، إذا تم اعتمادها، هدف تجنب مواجهة مباشرة بين حلفائها والدولة العراقية، مع الإبقاء على جزء من القدرات العسكرية للفصائل بدلاً من إنهائها بصورة نهائية.
وفي المقابل، تسعى بغداد إلى تثبيت مبدأ حصر قرار استخدام السلاح بيد مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل مسألة السيطرة على المخازن وآلية اتخاذ قرار الاستخدام نقطة أساسية في المفاوضات.
وبالتالي، فإن الخلاف الحالي لا يتعلق فقط بمكان وجود الأسلحة، بل بمن يملك القرار الفعلي بشأنها، وما إذا كان تنظيمها سيؤدي إلى إخضاعها الكامل لسلطة الدولة أم إلى إبقائها مجمدة وقابلة لإعادة الاستخدام في حال تغيرت الظروف السياسية والأمنية.




