أخبــارتقاريرنبض الساعة

أردوغان يعيد رسم خريطة إسطنبول.. بلا صناديق اقتراع؟

تشهد خريطة البلديات الفرعية في إسطنبول تحولات لافتة منذ الانتخابات المحلية عام 2024، التي حقق فيها حزب الشعب الجمهوري المعارض نتائج قوية، خصوصاً في المدينة الكبرى. وتمكن حزب العدالة والتنمية الحاكم لاحقاً من استعادة نفوذ في عدد من البلديات، لكن بعيداً عن الانتخابات العامة، عبر إجراءات قضائية وتغييرات داخل المجالس البلدية وانتقال منتخبين من المعارضة إلى الحزب الحاكم.

وبذلك لم تعد المنافسة على إدارة إسطنبول، التي تضم نحو 16 مليون نسمة وتتمتع بثقل سياسي واقتصادي وانتخابي كبير، مقتصرة على صناديق الاقتراع، بل امتدت إلى ساحات القضاء والمجالس المحلية.

وتضم إسطنبول 39 بلدية فرعية إلى جانب البلدية الكبرى، وشهد عدد منها خلال الفترة الماضية اعتقالات أو إقالات لرؤساء بلديات منتخبين، أعقب بعضها انتخاب رؤساء بالوكالة أو تعيين أوصياء، بينما انتقل أعضاء منتخبون من حزب الشعب الجمهوري إلى حزب العدالة والتنمية، ما أدى إلى تغيير موازين القوى داخل بعض المجالس.

معركة أوسكودار

تعد بلدية أوسكودار، التي يقع فيها منزل الرئيس رجب طيب أردوغان، أحدث ساحات هذا الصراع.

ففي 29 يوليو/تموز، اعتُقلت رئيسة البلدية المنتمية إلى حزب الشعب الجمهوري، سينم ديديتاش، على خلفية تحقيق يتعلق بإجراءات تراخيص البناء والإسكان، قبل أن تتوقف عن ممارسة مهامها.

وعقب ذلك، جرت انتخابات داخل المجلس البلدي لاختيار رئيس بالوكالة، وفازت مرشحة من حزب الشعب الجمهوري، لكن اعتراض حزب العدالة والتنمية أدى إلى إعادة العملية الانتخابية.

وقبل موعد التصويت الجديد، استقطب الحزب الحاكم أربعة أعضاء من مجلس بلدية أوسكودار بعد استقالتهم من حزب الشعب الجمهوري وانضمامهم إلى العدالة والتنمية، ما قلص الفارق داخل المجلس ورفع فرص الحزب الحاكم في انتزاع رئاسة البلدية بالوكالة.

وتحولت المنافسة في أوسكودار بذلك إلى صراع على موازين القوى داخل المجلس نفسه، إلى جانب المسار القضائي الذي أطاح برئيسة البلدية المنتخبة.

تغييرات تتجاوز صناديق الاقتراع

وتأتي تطورات أوسكودار ضمن مسار أوسع بدأ مع اعتقال رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو في مارس/آذار 2025 على خلفية اتهامات بالفساد، ثم امتد إلى عدد من البلديات التي يديرها حزب الشعب الجمهوري.

ويتهم الحزب المعارض الحكومة باستخدام القضاء لإقصاء خصومه السياسيين وتعويض خسارة انتخابات 2024 خارج صناديق الاقتراع، بينما ترفض الحكومة هذه الاتهامات وتؤكد استقلال القضاء، متهمة البلديات التابعة للمعارضة بوجود مخالفات وملفات فساد.

وفي منطقة غازي عثمان باشا، فقد حزب الشعب الجمهوري إدارة البلدية بعد توقيف رئيسها، عقب تمكن التحالف الحاكم من تأمين أغلبية داخل المجلس وانتخاب مرشح حزب العدالة والتنمية رئيساً بالوكالة.

وتكرر مسار مشابه في بيرم باشا، بعد توقيف رئيس البلدية المنتمي إلى المعارضة وانتخاب مرشح من التحالف الحاكم لإدارة البلدية بالوكالة.

أما في بيكوز، فاتخذت التطورات مساراً مختلفاً. فقد انتُخبت أوزلم فورال غورتزيل، المنتمية إلى حزب الشعب الجمهوري، رئيسة بالوكالة بعد توقيف رئيس البلدية رفيقها علاء الدين كوسلر، قبل أن تستقيل من الحزب وتنضم إلى حزب العدالة والتنمية، إلى جانب عدد من أعضاء المجلس، لتنتقل إدارة البلدية إلى الحزب الحاكم.

وفي إسنيورت، التي يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة، انتقلت إدارة البلدية من حزب الشعب الجمهوري إلى وصي عينته الحكومة بعد سجن رئيس البلدية المنتخب أحمد أوزر، على خلفية اتهامات تتعلق بالإرهاب وعلاقاته بحزب العمال الكردستاني.

كما طالت الإجراءات القضائية رؤساء بلديات آخرين ينتمون إلى حزب الشعب الجمهوري، من بينهم رؤساء بلديات شيشلي وبيليك دوزو وبويوك تشكمجة وأفجيلار. وفي بعض هذه الحالات، تمكنت المعارضة من الحفاظ على إدارتها عبر انتخاب رؤساء بالوكالة من داخل المجالس البلدية.

صراع على النفوذ المحلي

تكشف هذه التطورات عن عدة مسارات لإعادة تشكيل السيطرة على البلديات، تبدأ بالقضاء عند توقيف رئيس منتخب وإبعاده عن منصبه، وتمتد إلى الحكومة عبر تعيين أوصياء، وإلى المجالس البلدية عبر انتخاب رؤساء بالوكالة وفق موازين القوى داخلها.

كما ساهم انتقال عدد من المنتخبين من حزب الشعب الجمهوري إلى حزب العدالة والتنمية في تغيير تركيبة بعض المجالس، ومن ثم التأثير في نتائج الانتخابات الداخلية على رئاسة البلديات.

ويقدم بعض المنضمين إلى الحزب الحاكم تفسيرات تتعلق بخلافات داخلية أو ضغوط سياسية داخل أحزابهم، بينما يشير آخرون إلى رغبتهم في تعزيز التعاون مع الحكومة وتسهيل عمل البلديات وتقديم الخدمات للسكان.

وتضع هذه التطورات إسطنبول أمام مشهد سياسي يتجاوز نتائج انتخابات 2024، مع سعي حزب العدالة والتنمية إلى استعادة نفوذه في المدينة، في مقابل تمسك حزب الشعب الجمهوري بإدارته لعدد من البلديات ومواجهة ما يعتبره ضغوطاً سياسية وقضائية.

وتكتسب المعركة أهمية إضافية مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، خصوصاً أن السيطرة على إسطنبول تمثل ورقة انتخابية مؤثرة لأي طرف يسعى إلى تعزيز موقعه في المشهد السياسي التركي.

ومع انتقال المنافسة من صناديق الاقتراع إلى القضاء والمجالس البلدية، تبدو نتائج انتخابات 2024 عرضة لإعادة تشكيل تدريجية، في ظل صراع مفتوح على النفوذ داخل أكبر مدينة تركية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى