ضربة محدودة قد تهز الناتو.. ماذا تخطط روسيا؟

تتزايد في الولايات المتحدة وأوروبا التحذيرات من احتمال سعي روسيا إلى اختبار تماسك حلف شمال الأطلسي «الناتو» عبر تحرك محدود ضد إحدى دوله، بدلاً من شن هجوم واسع قد يقود مباشرة إلى مواجهة شاملة مع الحلف.
وتشير تقييمات استخباراتية غربية حديثة إلى مجموعة من السيناريوهات المحتملة، تبدأ بالهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والعمليات الهجينة، وقد تصل إلى توغل عسكري محدود داخل أراضي دولة عضو، مع بقاء المواجهة البرية الواسعة أقل السيناريوهات ترجيحاً بسبب مخاطرها التصعيدية.
المادة الخامسة.. اختبار حدود الرد
أفادت تقارير إعلامية غربية بأن بعض التقييمات الأميركية ترى أن روسيا قد تكون أكثر استعداداً لاختبار آليات الردع داخل الناتو خلال الفترة المقبلة، فيما تشمل السيناريوهات المطروحة استهداف البنية التحتية وشن هجمات إلكترونية وتنفيذ عمليات تخريب، وصولاً إلى تحرك عسكري محدود.
وتبرز دول البلطيق وبولندا ضمن المناطق التي تثير مخاوف أمنية، في ظل موقعها الجغرافي وقربها من مناطق النفوذ الروسي.
وتنص المادة الخامسة من معاهدة الناتو على أن أي هجوم مسلح على دولة عضو يُعد هجوماً على جميع أعضاء الحلف. لكن تفعيل هذه المادة لا يعني تلقائياً تنفيذ عملية عسكرية موحدة، إذ تتيح المعاهدة لكل دولة تحديد الإجراءات التي تراها ضرورية، ما يمنح الحكومات هامشاً واسعاً في تحديد طبيعة الرد.
وتصبح هذه المسألة أكثر تعقيداً في حال وقوع هجوم محدود أو ملتبس، مثل استهداف منشأة صغيرة أو منطقة حدودية محدودة أو بنية تحتية حيوية، إذ قد يفتح ذلك نقاشاً داخل الحلف حول طبيعة الحادث والجهة المسؤولة عنه وحجم الرد المناسب.
ويرى خبراء أن موسكو قد تحاول استغلال هذه المساحة لاختبار سرعة وحدة الموقف الغربي، خصوصاً إذا نُفذت العملية بطريقة تبقيها دون مستوى التصعيد الذي يجعل الرد العسكري الجماعي خياراً حتمياً.
مخاوف في دول البلطيق
ولا تقتصر هذه المخاوف على التقييمات الأميركية، إذ حذر مسؤولون في دول البلطيق وبولندا خلال الأشهر الماضية من احتمال تعرض البنية التحتية الحيوية لهجمات أو أعمال تخريب مرتبطة بروسيا.
وفي ليتوانيا، أشار الرئيس غيتاناس ناوسيدا في يوليو إلى معلومات استخباراتية تتحدث عن احتمال استهداف منشآت حيوية في دول البلطيق أو بولندا، مع التأكيد أن تلك التقييمات لم تحدد موقعاً أو موعداً بعينه.
كما حذر مسؤولون في المنطقة من احتمال سعي موسكو إلى اختبار آليات الاستجابة داخل الناتو والاتحاد الأوروبي، حتى في حال عدم تحقيقها أهدافاً عسكرية حاسمة في أوكرانيا.
وتنفي موسكو الاتهامات الغربية المتعلقة بالتخطيط لمثل هذه العمليات، وتتهم دولاً أوروبية باستخدام ما تصفه بـ«التهديد الروسي» لتبرير تعزيز الوجود العسكري للناتو في منطقة البلطيق.
من الهجوم العسكري إلى «المنطقة الرمادية»
تأتي هذه المخاوف في ظل سلسلة من الحوادث التي عززت القلق الأوروبي بشأن تصاعد أنشطة الحرب الهجينة، التي تقع في مساحة بين العمل العدائي المباشر والمواجهة العسكرية التقليدية.
وفي ألمانيا، شهد مطار لايبزيغ-هاله في أغسطس حادثة مرتبطة بطائرة مسيّرة عُثر عليها قرب طائرة شحن، فيما اصطدم جسم آخر بطائرة شحن تابعة لشركة DHL، ما أدى إلى أضرار محدودة.
وواصلت السلطات الألمانية التحقيق في الحادث، بينما ربطت تقارير إعلامية غربية بين الطائرة المسيّرة وروسيا استناداً إلى تقييمات استخباراتية.
وفي بولندا، شهدت الفترة الماضية حوادث مرتبطة بالطائرات المسيّرة وأعمال تخريب استهدفت منشآت وبنية تحتية، وسط مخاوف من إمكانية استخدام عمليات محدودة لاختبار قدرة الدول الأوروبية على حماية منشآتها الحيوية دون الانتقال إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
ويطرح هذا النوع من العمليات تحدياً إضافياً أمام الناتو، لأن تحديد المسؤولية قد يستغرق وقتاً، كما أن طبيعة الهجوم قد لا تكون كافية وحدها لتحديد مستوى الرد.
وحذر باحثون أوروبيون من أن استمرار العمليات الواقعة تحت عتبة الحرب التقليدية قد يضع الحكومات أمام معضلة تحديد «عتبة الرد»، خصوصاً عندما يصعب إثبات الجهة المسؤولة بصورة فورية.
مخاوف من اختبار وحدة الغرب
وحذر مسؤولون أمنيون غربيون خلال الفترة الماضية من توسع استخدام أدوات الحرب الهجينة، بما يشمل التخريب والهجمات السيبرانية وحملات التضليل.
ويتمثل أحد المخاوف الرئيسية في أن الهدف من هذه العمليات قد لا يكون إلحاق أضرار مادية مباشرة فقط، بل اختبار مدى استعداد الدول الغربية لاتخاذ موقف موحد عندما يتعرض أحد أعضاء الناتو لضغط أو هجوم محدود.
وفي بولندا، يرى باحثون في الأمن أن عمليات التخريب يمكن أن تستهدف أيضاً إضعاف قدرة البلاد على دعم أوكرانيا والتأثير في الرأي العام بشأن استمرار هذا الدعم.
وتشير تحليلات أمنية إلى أن استمرار العمليات تحت مستوى الحرب التقليدية يفرض على الناتو تطوير آليات رد أكثر وضوحاً، لا تعتمد فقط على التفسير التقليدي للمادة الخامسة، بل تشمل أيضاً استجابات مشتركة للهجمات السيبرانية والتخريب والعمليات الهجينة.
ضغط على المخزونات العسكرية
ويضاف إلى حسابات الردع عامل آخر يتعلق بقدرة الولايات المتحدة والدول الأوروبية على تعويض استهلاك الذخائر بسرعة.
وأظهرت تقارير حديثة أن الولايات المتحدة استهلكت خلال عملياتها العسكرية الأخيرة كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى وذخائر الدفاع الجوي، في وقت كانت مخزونات الأسلحة الأميركية تواجه أصلاً ضغوطاً بعد سنوات من الدعم العسكري لأوكرانيا.
ولا يعني ذلك أن واشنطن فقدت القدرة على الدفاع عن حلفائها، لكنه يسلط الضوء على التحديات المرتبطة بخوض صراع طويل وعالي الكثافة في أكثر من مسرح عمليات في الوقت نفسه.
وفي المقابل، يعمل الناتو على تعزيز قدراته من خلال زيادة الإنتاج الدفاعي والشراء المشترك للذخائر وتطوير أنظمة مواجهة الطائرات المسيّرة، إلى جانب الاستثمار في قدرات الضربات بعيدة المدى.
وتستهدف هذه الخطوات تقليص الفجوة بين حجم الاحتياجات العسكرية والقدرة الصناعية على توفير الأسلحة في حال اندلاع مواجهة واسعة.
هل تقترب المواجهة؟
حتى الآن، لا تقدم التقييمات الغربية المنشورة دليلاً على أن روسيا اتخذت قراراً نهائياً بشن هجوم على دولة عضو في الناتو. لكنها تعكس تغيراً في تقدير المخاطر لدى أجهزة أمنية غربية، خصوصاً في حال انتهاء الحرب في أوكرانيا أو دخولها مرحلة تسمح لموسكو بإعادة توزيع جزء من قدراتها العسكرية.
ويبقى السيناريو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى الناتو هو تنفيذ عملية محدودة أو غامضة تسمح لموسكو باختبار رد الحلف دون الوصول مباشرة إلى حرب شاملة.
وفي هذه الحالة، لن يكون الاختبار مرتبطاً فقط بقدرة الناتو العسكرية، بل بمدى سرعة اتخاذ القرار السياسي ووحدة الدول الأعضاء في تحديد المسؤولية وطبيعة الرد.
ومن هنا، فإن قوة الردع الأطلسية لا تتوقف على حجم القوات والأسلحة المتوافرة فقط، بل على مدى اقتناع أي خصم بأن الهجوم على عضو واحد سيقابله موقف جماعي واضح وسريع، حتى عندما تأتي الضربة في صورة محدودة أو تقع في «المنطقة الرمادية» بين الحرب والسلام.




