أخبــاربلاد الجواربلاد المهجرنبض الساعةهيدلاينز

بين دمشق وبغداد وبيروت… واشنطن تختبر أوراقها ضد طهران

أثارت اللقاءات المتتالية التي عقدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، ورئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والدبلوماسية، خصوصًا مع توقيتها وتركيزها على ثلاث دول تعد من أكثر الساحات ارتباطًا بالتوازنات الإقليمية.

ويرى مراقبون أن هذا الحراك قد يعكس توجهًا أميركيًا لإعادة تعزيز حضور واشنطن في المشرق العربي، عبر بناء علاقات مباشرة مع حكومات المنطقة، ودعم مؤسسات الدولة، في محاولة للحد من نفوذ القوى الإقليمية المنافسة، وفي مقدمتها إيران.

وتشير قراءات سياسية إلى أن المقاربة الأميركية لا تعتمد فقط على أدوات الضغط الاقتصادي أو العسكري، بل تشمل أيضًا مسارًا دبلوماسيًا يهدف إلى توسيع الشراكات مع العواصم الثلاث، وتشجيعها على تعزيز دور مؤسساتها الرسمية، بما يمنحها مساحة أكبر في اتخاذ قراراتها الداخلية والخارجية.

في سوريا، تتركز الاهتمامات الأميركية على ملفات الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، إلى جانب منع ظهور فراغات أمنية قد تستفيد منها أطراف إقليمية أو جماعات مسلحة. كما يشكل ملف إدارة المرحلة الانتقالية وتعزيز السيطرة الحكومية على الأراضي السورية أحد أبرز التحديات أمام أي انفتاح دولي محتمل.

أما العراق، فتسعى واشنطن إلى الحفاظ على شراكتها مع بغداد في المجالات الأمنية والاقتصادية، مع التأكيد على دعم مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية بعيدًا عن الضغوط المتعددة من القوى الإقليمية.

وفي لبنان، يتركز الاهتمام الأميركي على دعم مؤسسات الدولة، ولا سيما رئاسة الجمهورية والجيش، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في الحفاظ على الاستقرار. كما تربط واشنطن أي دعم سياسي أو اقتصادي بخطوات تتعلق بالإصلاح وتعزيز سيادة الدولة.

مع ذلك، يرى محللون أن اختزال المشهد في محاولة لإلغاء النفوذ الإيراني قد يكون مبالغًا فيه، إذ لا تزال طهران تمتلك أدوات سياسية وأمنية في عدد من دول المنطقة، كما أن شبكات النفوذ التي تشكلت خلال سنوات طويلة يصعب تغييرها بشكل سريع عبر التحركات الدبلوماسية وحدها.

وتشير المعطيات إلى أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة ترتيب للأدوار، تتنافس خلالها القوى الدولية والإقليمية على تثبيت مواقعها، في ظل تحولات سياسية وأمنية قد تفتح الباب أمام تفاهمات جديدة أو توازنات مختلفة.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل حول إمكانية أن تؤثر التحولات في سوريا والعراق على الوضع اللبناني، خصوصًا في ما يتعلق بدور الدولة وقدرتها على فرض سلطتها على كامل أراضيها.

ويعد ملف الحدود بين سوريا ولبنان أحد الملفات الحساسة في هذا الإطار، إذ شكلت الحدود المشتركة خلال السنوات الماضية مسارًا لحركة اقتصادية وأمنية معقدة، وشهدت تحديات مرتبطة بالتهريب وانتقال السلاح. لذلك، فإن تعزيز التنسيق الرسمي وضبط الحدود قد يكون عاملًا مساعدًا في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية.

أما في العراق، فإن طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والقوى السياسية والأمنية المختلفة ستظل عنصرًا مؤثرًا في تحديد مدى قدرة بغداد على لعب دور أكثر استقلالية في محيطها الإقليمي.

وبينما تراهن واشنطن على تعزيز علاقاتها مع حكومات المنطقة، تبقى نتائج هذا المسار مرتبطة بقدرة الدول المعنية على تحويل الدعم الخارجي إلى سياسات داخلية تعزز الاستقرار والسيادة الوطنية.

لذلك، فإن مستقبل التوازنات في المشرق لن تحدده اللقاءات السياسية وحدها، بل ستحدده التطورات الميدانية، ومدى قدرة العواصم الثلاث على إدارة علاقاتها المتشابكة في مرحلة إقليمية تشهد إعادة تشكيل مستمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى