من تايوان إلى إيران… قمة أميركية صينية تثير القلق

تشهد الأوساط السياسية والدبلوماسية ترقبًا واسعًا للقمة المرتقبة التي تجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ، بعد تحضيرات استمرت لأكثر من ستة أشهر. وتأتي هذه القمة في لحظة دولية معقدة، تتداخل فيها ملفات الأمن الدولي مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، خصوصًا على خلفية المواجهة المتفاقمة مع إيران، وما تفرضه من ارتدادات على موازين القوى العالمية.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن جدول أعمال القمة يتضمن حزمة واسعة من القضايا الاستراتيجية، في مقدمتها ملف تايوان الذي يُعد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الأمريكية–الصينية، إضافة إلى ملفات التجارة والرسوم الجمركية، وسلاسل الإمداد العالمية، والمعادن النادرة، والاستثمارات المتبادلة، فضلًا عن تطورات الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أبرز ميادين التنافس التكنولوجي بين القوتين.
لكن التطورات الأخيرة في الملف الإيراني، وما رافقها من تصعيد عسكري وسياسي، ألقت بظلالها على ترتيب الأولويات داخل القمة، حيث تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى إبقاء التوتر مع بكين ضمن حدود مضبوطة، مع تجنب أي انفجار إضافي في الشرق الأوسط قد ينعكس على مجمل المشهد الدولي قبل اللقاء المرتقب.
وفي هذا السياق، يرى مصدر سياسي أمريكي بارز أن واشنطن تدرك بدقة أهمية الدور الصيني المحتمل في الملف الإيراني، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة العالمية، وتمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز باتجاه الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين.
ويضيف المصدر أن بكين تتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي، خصوصًا في ظل القيود المفروضة على صادرات النفط الإيراني، ما يجعلها طرفًا معنيًا باستقرار المنطقة، وإن كان ذلك ضمن حسابات اقتصادية وسياسية دقيقة، بعيدًا عن الانخراط المباشر في المواجهة.
وفي المقابل، تؤكد مصادر أمريكية أن ملف تايوان سيبقى خارج أي مقايضات مع ملفات أخرى، باعتباره أحد الثوابت الأساسية في السياسة الأمريكية، بغض النظر عن الإدارات المتعاقبة. ويشمل ذلك استمرار الدعم العسكري لتايبيه وتعزيز قدراتها الدفاعية، باعتبارها، وفق الرؤية الأمريكية، عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن في المحيط الهادئ.
كما تشير التقديرات إلى أن القضايا المرتبطة بإيران لن تُدمج داخل ملف تايوان، بل ستُطرح بشكل منفصل، مع احتمال بحث دور صيني محتمل في تهدئة التوترات المرتبطة بمضيق هرمز أو الملف النووي الإيراني، دون أن يمتد ذلك إلى أي مساومة تتعلق بالوضع في الجزيرة.
من جهة أخرى، يرى دبلوماسي أمريكي سابق أن الصين تتابع التطورات في الشرق الأوسط من زاوية المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، إذ لا تعارض انشغال الولايات المتحدة بأزمات إقليمية معقدة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في توسع الصراع بشكل يهدد استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد عليها بشكل أساسي.
ويضيف أن توقيت القمة يمنحها أهمية مضاعفة، في ظل حساسية الأوضاع في مضيق هرمز، الذي يُعد نقطة ضغط استراتيجية، حيث أن أي اضطراب في حركة الملاحة أو ارتفاع في تكاليف التأمين أو تصعيد عسكري محدود قد يؤدي إلى تأثيرات واسعة على الاقتصاد العالمي.
في السياق ذاته، يشير خبراء في العلاقات الدولية إلى أن الحرب مع إيران أعادت تشكيل أولويات واشنطن، وأثرت على قدرتها في إدارة أكثر من جبهة استراتيجية في وقت واحد، خاصة في ما يتعلق بالمنافسة مع الصين في المحيط الهادئ وملف تايوان والملفات الاقتصادية المرتبطة بالتجارة والتكنولوجيا.
ويرى هؤلاء أن بكين استفادت نسبيًا من انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأوروبا، سواء في ما يتعلق بأزمة الطاقة أو الحرب في أوكرانيا، ما أتاح لها هامشًا أوسع للتحرك في ملفات اقتصادية حساسة، من بينها المعادن النادرة التي تُعد عنصرًا محوريًا في الصناعات التكنولوجية الحديثة.
كما يلفت محللون إلى أن ملف تايوان بات أكثر تعقيدًا في المرحلة الحالية، إذ تطرح التطورات الأخيرة تساؤلات داخل دوائر القرار الغربية حول مدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة تصعيد محتمل مع الصين بالتوازي مع استمرار التوتر في الشرق الأوسط.
وفي المحصلة، يرى مراقبون أن القمة المرتقبة بين ترامب وشي تأتي في لحظة إعادة تشكيل للمعادلات الدولية، حيث تتداخل الملفات الأمنية والاقتصادية والعسكرية بشكل غير مسبوق، ما يجعل نتائجها المحتملة مؤثرة ليس فقط على العلاقات الثنائية بين واشنطن وبكين، بل على شكل النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة.




