فرنسا تسرّع إنقاذ أكبر مشروع نووي في أوروبا

تستهدف فرنسا تشغيل أول مفاعل نووي جديد من طراز “EPR2” في منطقة بينلي شمال البلاد بحلول عام 2038، ضمن ما تسميه الحكومة الفرنسية مشروع “النهضة النووية”، الذي يمثل أحد أعمدة استراتيجية الرئيس إيمانويل ماكرون لإعادة بناء قطاع الطاقة وتعزيز استقلاليته.
لكن مستقبل المشروع يبدو مرتبطًا بقرارات أقرب زمنيًا بكثير من موعد التشغيل المعلن، إذ يُتوقع أن تكون سنة 2026 حاسمة في تحديد مصيره، مع اقتراب لحظة الحسم الاستثماري النهائي بين شركة الكهرباء الفرنسية EDF والحكومة، وهو القرار الذي يُنظر إليه باعتباره نقطة فاصلة بين المضي في التنفيذ أو الدخول في مسار تأخير طويل ومعقد.
ويحذر خبراء من أن أي تباطؤ في هذا القرار قد ينعكس بشكل مباشر على الجدول الزمني الكامل للمفاعلات الجديدة، في ظل تراكم تحديات مالية وتقنية وتنظيمية، إضافة إلى بيئة أوروبية أكثر تشددًا تجاه تمويل المشاريع الكبرى.
ووفق صحيفة “لا تريبين” الفرنسية، رفعت EDF تقديرات كلفة المشروع مع نهاية عام 2025 إلى نحو 72.8 مليار يورو، بزيادة تقارب 8% مقارنة بالتوقعات السابقة، مشيرة إلى أن هذا الارتفاع يعود إلى تعزيز مخصصات المخاطر والتكاليف الاحتياطية.
ومع ذلك، لا تزال هذه الأرقام محل مراجعة من قبل الجهات الحكومية المشرفة على البرنامج النووي الجديد، والذي تم إطلاقه عام 2022 لمتابعة وتقييم تقدم المشروع.
وخضع الملف خلال الأشهر الأولى من العام الحالي لمراجعة تقنية مستقلة، بالتوازي مع مشاورات مستمرة بين EDF والسلطات الحكومية، إضافة إلى تقييم ثالث يقوده مجلس خبراء مستقل يضم شخصيات صناعية سابقة. ومن المقرر أن تتواصل الاجتماعات التقنية خلال مايو ويونيو، على أن يُرفع التقرير النهائي في سبتمبر المقبل.
وتواجه EDF أيضًا أسئلة متزايدة حول آليات الإدارة والحوكمة داخل المشروع، خاصة في ظل تجربة مفاعل فلامانفيل التي شهدت تأخيرات كبيرة تجاوزت عقدًا كاملًا بسبب بدء الأعمال قبل اكتمال الدراسات الهندسية.
وللحد من تكرار تلك الإشكالات، اعتمدت الشركة نموذجًا إداريًا يفصل بين إدارة المشروع والإشراف التقني، إلا أن هذا الإطار التنظيمي لم يُستكمل توقيعه بشكل نهائي حتى الآن، ما يثير مخاوف من وجود فجوة في التنسيق خلال مرحلة حساسة من التنفيذ.
كما يشكل نضج التصاميم الهندسية عامل ضغط إضافي، إذ ترى مصادر متابعة أن بلوغ مستوى متقدم من الجاهزية خلال الصيف الحالي سيكون عنصرًا حاسمًا لتفادي تأجيلات جديدة مشابهة لما حدث في مشاريع سابقة.
وفي هذا السياق، تقرر تأجيل صب الخرسانة الأولى في موقع بينلي إلى عام 2029، في خطوة توصف بأنها محاولة لتقليل المخاطر عبر إعادة ضبط جدول التنفيذ وإتاحة مزيد من الوقت للإعداد الفني.
وعلى المستوى الصناعي، لا تزال EDF تعمل على إعادة بناء الثقة مع شركات المقاولة والموردين بعد سنوات من التراجع في تنفيذ مشاريع نووية كبرى داخل فرنسا. وحتى الآن، تم إرساء عقود الأعمال المدنية للمفاعلين الأولين فقط، بينما لم تُحسم بعد العقود المرتبطة بالتجهيزات الأساسية.
ويشير مختصون في قطاع الطاقة إلى أن توقف المشاريع النووية لعقود طويلة أدى إلى خلل في العلاقة بين الشركة ومورديها، خصوصًا فيما يتعلق بالمطالب المالية والضمانات في مشروع لا يزال في مراحله التمهيدية. وتسعى EDF إلى معالجة هذا التحدي عبر “ميثاق الأداء” الذي يهدف إلى إشراك الموردين في مراحل مبكرة من التصميم والتطوير.
أما على المستوى الأوروبي، فتبقى العقبة الأكثر تعقيدًا مرتبطة ببروكسل، حيث تخضع خطط الدعم الحكومي الفرنسي لمراجعة المفوضية الأوروبية، التي ستحدد مدى توافق التمويل مع قواعد المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي، على أن يصدر القرار خلال فصل الخريف.
وتتعامل باريس مع هذا الملف بحذر واضح، في ظل نقاشات داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسات الطاقة والدعم الصناعي، وما قد يترتب عليها من قيود أو شروط إضافية.
وفي المحصلة، يرى مراقبون أن مستقبل المشروع لن يُحسم فقط في مواقع البناء أو عبر القرارات التقنية، بل أيضًا داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث تتقاطع اعتبارات الطاقة مع السياسة الاقتصادية ومستقبل الصناعة في القارة.




