تقارب دبلوماسي بين دمشق والرباط بملامح اقتصادية

أعطى افتتاح السفارة السورية في الرباط منتصف أيار الجاري دلالة عملية على استئناف العلاقات بين سوريا والمغرب بعد قطيعة استمرت أكثر من اثني عشر عاماً، في خطوة ترافقت مع الإعلان عن مسار سياسي واقتصادي وتجاري وتعليمي جديد، إلى جانب التحضير لزيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى دمشق لافتتاح السفارة المغربية، والعمل على تأسيس مجلس أعمال مشترك يهدف إلى وضع العلاقات الثنائية ضمن إطار مصالح قابلة للقياس والتطبيق.
وتنظر دمشق إلى هذه العودة باعتبارها جزءاً من محاولة أوسع لتوسيع هامش الحركة الاقتصادية خارج الدائرة المشرقية التقليدية، إذ تفتح العلاقة مع المغرب قناة عربية بعيدة نسبياً عن تعقيدات الحدود والملفات الأمنية المزمنة، وتوفر في الوقت ذاته فرصة لاختبار تعاون اقتصادي مع دولة راكمت حضوراً مؤسساتياً متقدماً في أفريقيا عبر قطاعات المصارف والاتصالات والأسمدة والإنشاءات، وتحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منصة إقليمية تربط أوروبا بغرب القارة الأفريقية ومنطقة الساحل.
في المقابل، يتحرك المغرب نحو دمشق انطلاقاً من موقع اقتصادي ودبلوماسي تراكم خلال سنوات في القارة الأفريقية، حيث يُنظر إليه كشريك اقتصادي مهم لفرنسا في أفريقيا، ما يجعل الانفتاح على سوريا بوابة محتملة للربط مع شبكات أعمال تتجاوز السوق السورية نفسها نحو فضاءات إقليمية أوسع.
من التمثيل الدبلوماسي إلى اختبار المصالح
يرى الباحث السياسي المغربي عبد الحق باسّو، المتخصص في الشؤون الأمنية والجيوسياسية، أن التقارب السوري المغربي يتجسد حالياً بشكل أساسي في إنشاء مجلس أعمال مشترك يمنح العلاقة إطاراً عملياً قابلاً للاختبار، خصوصاً في ظل امتلاك المغرب شبكة علاقات أفريقية وأوروبية يمكن أن تؤهله ليكون نقطة عبور سياسية واقتصادية لسوريا.
ويضيف أن الرباط تتعامل مع التحولات في الملف السوري من زاوية إعادة تموضع العلاقات العربية مع دمشق، حيث لم تعد العودة الدبلوماسية وحدها كافية لتأسيس علاقة مستقرة، بل باتت الحاجة ماسة إلى مصالح ملموسة تُقاس عبر التجارة والتكوين المهني والاستثمار المحدود والقطاعات منخفضة المخاطر. ويشير إلى أن مجلس الأعمال يمنح المغرب موقعاً مبكراً في هذه المرحلة، كما يتيح لسوريا منفذاً نحو الفضاء المغاربي والأفريقي، شرط أن يتحول إلى آلية عمل قطاعية واضحة.
وتتحرك دمشق في بيئة اقتصادية تحتاج إلى شركاء يتعاملون بحذر مع السوق السورية، بسبب هشاشة النظام المالي وصعوبة الانتقال من الإطار السياسي إلى التعاقد التجاري الفعلي، في حين يمتلك المغرب أدوات مؤسسية تسمح بدمج السياسة بالاقتصاد عبر السفارات ومجالس الأعمال والغرف التجارية وشبكات الشركات الممتدة نحو أسواق مغاربية وأفريقية.
وفي الوقت نفسه، يمنح مجلس الأعمال الرباط موقعاً مبكراً داخل إعادة ترتيب العلاقات العربية مع دمشق، إذ يدخل المغرب هذا المسار عبر بوابة مؤسسية منسجمة مع نمط سياسته الخارجية، ما يعزز توجهه نحو الدبلوماسية الاقتصادية وبناء حضور تدريجي داخل السوق السورية خلال مرحلتها الانتقالية.
اختبار اقتصادي خارج الجوار التقليدي
تكشف هذه الخطوة أيضاً عن محاولة سورية لتوسيع نطاق الحركة الاقتصادية خارج الجوار المباشر المتمثل في العراق ولبنان والأردن وتركيا ودول الخليج، وهي الدائرة التي تحكمها اعتبارات جغرافية وأمنية وتجارية معقدة، ما يدفع دمشق إلى اختبار مسارات أبعد وأقل ارتباطاً بتحديات الحدود.
ويشير الباحث الاقتصادي عبد العزيز آيت علي إلى أن الأثر الاقتصادي المباشر لمجلس الأعمال السوري المغربي سيظل محدوداً في مراحله الأولى، نتيجة ضعف حجم التبادل التجاري القائم، إضافة إلى تحديات النقل، وضعف الربط المصرفي، وصعوبة الامتثال المالي، وهي عوامل من شأنها أن تبقي وتيرة الانفتاح التجاري بطيئة نسبياً.
ومع ذلك، يوضح أن أهمية المجلس تكمن في كونه إطاراً لتنظيم التواصل بين القطاع الخاص في البلدين، وتحديد القطاعات القابلة للتوسع التدريجي، مثل الصناعات الغذائية والدوائية والنسيج والتكوين المهني والخدمات المرتبطة بإعادة تشغيل المؤسسات.
ويضيف أن المغرب يدخل هذا المسار باعتباره اقتصاداً يمتلك امتدادات أفريقية واضحة في مجالات المصارف والاتصالات والأسمدة والإنشاءات، ما يتيح لسوريا الاستفادة من خبراته في بناء شبكات أعمال خارج محيطها القريب، رغم أن ذلك يتطلب بيئة قانونية أكثر وضوحاً، ونظام تحويلات مالية قابلاً للعمل.
في المقابل، تحتاج سوريا إلى هذا الانفتاح في ظل اقتصاد منهك وسوق بحاجة إلى إعادة اتصال تدريجي بالنظام المالي الدولي، خصوصاً أنها شاركت هذا الأسبوع في جلسة مغلقة مع وزراء مالية ومحافظي بنوك مركزية في مجموعة السبع في باريس لبحث التعافي وإعادة الاندماج المالي، ما يعكس أن الانفتاح العربي عليها يأتي ضمن مسار أوسع لاختبار قدرتها على استعادة الثقة المالية الدولية.
دبلوماسية مغربية بأدوات اقتصادية
تتحرك الرباط في الملف السوري وفق نهج مشابه لسياستها في أفريقيا، حيث تفضّل بناء علاقات مؤسسية طويلة الأمد عبر السفارات والاتفاقيات والغرف التجارية، مع التركيز على قطاعات تمنحها نفوذاً اقتصادياً مستداماً، وتوظيف علاقاتها العربية والأفريقية والأوروبية لتوسيع حضورها في ملفات تتجاوز محيطها الجغرافي المباشر.
وفي تقدير موقف صادر عن مركز تقدّم للسياسات، جرى النظر إلى زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الرباط باعتبارها إحدى محطات السياسة الخارجية السورية الجديدة باتجاه أفريقيا، وهو ما يمنح مجلس الأعمال دوراً متقدماً باعتباره أداة مبكرة لتحويل التقارب الدبلوماسي إلى مسار اقتصادي عملي.
كما يشير التقدير إلى أن المغرب يوفر لسوريا فرصاً على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي، استناداً إلى علاقاته الواسعة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، إضافة إلى حضوره المتنامي في أفريقيا عبر شبكات الاستثمار والبنوك والاتصالات والتعاون الأمني.
محصلة مشروطة بالبيئة الاقتصادية
في المحصلة، تبقى البيئة الاقتصادية السورية عاملاً حاسماً في تحديد مدى نجاح هذا التقارب، إذ تتطلب أي استثمارات أجنبية نظاماً مصرفياً مستقراً، وقوانين واضحة قابلة للتنفيذ، وضمانات للملكية، وإجراءات جمركية شفافة، إلى جانب قدرة فعالة على تحويل الأموال.
وتدرك دمشق هذه التحديات، حيث تواجه أي محاولة للانفتاح الاقتصادي مخاطر مرتبطة بالامتثال وصعوبة الربط مع النظام المالي الدولي، ما يجعل الشراكة مع المغرب بحاجة إلى مسار تدريجي يبدأ بقطاعات منخفضة المخاطر مثل الغذاء والدواء والنسيج، قبل الانتقال إلى مشاريع أوسع مع تراكم الثقة القانونية والمالية بين الجانبين.



