أخبــاربلاد المهجرنبض الساعة

اليابان تودّع دستور السلام وتثير غضب بكين

يتصاعد التوتر السياسي والعسكري بين اليابان والصين في ظل تحركات يابانية جديدة تستهدف تخفيف القيود المفروضة على تصدير الأسلحة، بما في ذلك المعدات ذات الطابع القتالي، في خطوة تنظر إليها بكين بقلق متزايد وتعتبرها تحولاً في المسار الأمني لطوكيو.

وبحسب معطيات متداولة في الأوساط اليابانية، تعمل الحكومة على إعداد خطة لمراجعة “المبادئ الثلاثة لنقل معدات الدفاع”، وهي الإطار الناظم لصادرات السلاح والتكنولوجيا الدفاعية، على أن يتم بحث التعديلات خلال الشهر الجاري.

وتُعد هذه الخطوة امتداداً لمسار أوسع تتبناه طوكيو لإعادة النظر في القيود التقليدية التي حكمت صادراتها العسكرية لعقود، في سياق مراجعة تدريجية للنهج الذي ارتبط بما يُعرف بـ”دستور السلام”.

وتشير أجندة الحكومة إلى أن التحرك لا يقتصر على ملف التصدير، بل يشمل أيضاً مراجعة وثائق الأمن الأساسية، وإعادة النظر في المبادئ غير النووية، إلى جانب مواصلة النقاشات المتعلقة بتعديل الدستور خلال العام الحالي.

في المقابل، عبّرت الصين عن رفضها لهذه الخطوات، داعية اليابان إلى التعامل بحذر مع الملفات العسكرية والأمنية، ومشددة على ضرورة مراعاة الخلفية التاريخية للصراعات في المنطقة وتجنب أي مسارات قد تؤدي إلى تصعيد إضافي.

وفي مؤشر سياسي موازٍ، خفّضت طوكيو توصيفها الرسمي للعلاقات مع الصين في أحدث نسخة من وثيقتها الدبلوماسية السنوية، لتنتقل من وصف بكين بأنها “أحد أهم الشركاء” إلى “جار مهم”، في خطوة تعكس تراجع مستوى الثقة السياسية بين الجانبين.

كما اتهمت اليابان الصين بتكثيف الانتقادات الأحادية واتخاذ إجراءات وصفتها بالضاغطة تجاهها، ما أضاف بُعداً سياسياً جديداً إلى التوتر القائم.

ويرى خبير في الشؤون الآسيوية أن مراجعة المبادئ الخاصة بنقل معدات وتكنولوجيا الدفاع تعكس تحولاً نوعياً في مقاربة اليابان لدورها الأمني، من نموذج الدولة المقيدة إلى نموذج الفاعل الأمني الأكثر استباقية.

وأوضح الخبير أن البيئة الأمنية المحيطة، بما في ذلك تنامي القدرات العسكرية الصينية، والتجارب الصاروخية الكورية الشمالية، والتداعيات العالمية للحرب في أوكرانيا، دفعت النخبة اليابانية إلى إعادة تقييم القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا الدفاعية.

وأضاف أن تخفيف القيود قد يتيح لطوكيو تعزيز صناعاتها العسكرية الوطنية، وتوسيع شراكاتها الدفاعية مع الحلفاء، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والقدرات البحرية والتقنيات السيبرانية، إلى جانب دعم مشاريع تطوير أنظمة متقدمة مشتركة مع شركاء دوليين.

كما يُنظر إلى هذه المراجعة باعتبارها جزءاً من استراتيجية أشمل لتعزيز الردع المتكامل، عبر تمكين اليابان من أداء دور أكبر في سلاسل الإمداد الدفاعية العالمية، ومنحها أدوات نفوذ جيوسياسي أوسع، خاصة تجاه دول جنوب شرق آسيا الساعية إلى تعزيز قدراتها البحرية.

في المقابل، يعكس القلق الصيني إدراكاً بأن هذه التحولات تتجاوز الإطار التقني، وتمثل تحولاً أعمق في العقيدة الأمنية اليابانية، بما قد يسهم في تعزيز قدرات الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة في محيط الصين.

ويرى محلل أن هذا التطور لا يمكن فصله عن التنافس الاستراتيجي الأوسع في منطقة الإندو-باسيفيك، في ظل سعي واشنطن منذ سنوات إلى توزيع أعباء الأمن الإقليمي على حلفائها وتشجيعهم على بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية.

ومن هذا المنظور، قد تسهم المراجعة اليابانية في تعزيز شبكة ردع أوسع تعتمد على حلفاء أكثر قدرة، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع الصين إلى تسريع تحديثها العسكري وتعزيز شراكاتها المقابلة، ما يرفع احتمالات دخول المنطقة في ديناميات سباق تسلح أكثر انفتاحاً.

ويبقى مستقبل هذا المسار مرتبطاً بقدرة القوى الإقليمية على إدارة التوازنات الأمنية، بما يمنع تحوّل سياسات الردع إلى عوامل إضافية لعدم الاستقرار في شرق آسيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى