من ضمن المبالغات، أو ما يسميه الشباب «الهبد» على السوشيال ميديا، والذي انتشر في الآونة الأخيرة، خاصة بعد حرب ٢٨ فبراير، أن إيران تستطيع قطع الإنترنت عن العالم كله، لو ضربت الألياف الضوئية في مضيق هرمز، وأن مصر بمجرد ضرب هرمز، لن يستطيع مصري استخدام الإنترنت، وستشل الحياة تماماً، لأن الإنترنت ليس لعباً على الموبايل فقط، ولكنه بنوك ومراسلات وتواصل عالمي وميديا.. إلخ، وهذا الكلام بعيد تماماً عن الحقيقة، ومن قبيل الهلاوس العنكبوتية، وبما أنني لست خبيراً في أمور الإنترنت، فقد رجعت إلى بعض المصادر التي اقترحها عليّ صديقي الإنترنت:
وخرجت بالنتيجة التالية، أنه في زمن أصبحت فيه البيانات شريان الحياة، لا يمكن لدولة إطفاء الإنترنت عن العالم بضغطة «زر»، فالواقع أكثر تعقيداً مما توحي به هذه التصورات، وتخبرنا به هذه الهبدات، فالإنترنت ليس شبكة واحدة مركزية، بل منظومة هائلة من الشبكات المستقلة المترابطة، تعتمد على آلاف الكابلات البحرية ومئات المسارات البديلة.
هذه البنية صُمّمت منذ البداية لتكون مرنة وقادرة على النجاة حتى في ظروف الحرب أو الأعطال، ولنبدأ بطمأنة القراء على مصر، متفق طبعاً أن مضيق هرمز يُمثل أهمية كبرى لدول الخليج، حيث تمر نسبة معتبرة من اتصالاتها الدولية عبره، لكن مصر لا تعتمد عليه كممر رئيسي، موقع مصر الجغرافي يمنحها ميزة استراتيجية فريدة، إذ تمر عبرها كابلات تربط أوروبا بآسيا من خلال البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس. لذلك، حتى لو تعطّلت كابلات في هرمز، فإن التأثير على مصر يكون غالباً جزئياً (بطء أو إعادة توجيه) وليس انقطاعاً كاملاً.
هل تعرفون أين الخطورة الحقيقية على إنترنت مصر؟، المفارقة أن أخطر نقطة على الإنترنت في مصر ليست خارجها، بل داخل نطاقها الجغرافي، إنها منطقة البحر الأحمر وممر قناة السويس، هذه المنطقة تُعد إحدى أهم «نقاط الاختناق» عالمياً (Chokepoints)، حيث تتجمّع عشرات الكابلات في مسار ضيق نسبياً، وتشير تقارير إلى أن نسبة كبيرة من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا تمر عبر هذا الممر، يعني ببساطة منطقتنا بالنسبة للإنترنت أهم، فأي حادث كبير، سواء كان قطعاً متزامناً لعدة كابلات، أو حادثاً بحرياً، أو توتراً جيوسياسياً، قد يؤدي إلى اضطراب واسع في مصر والعالم، وقد شهد وجرب العالم مثالاً واضحاً في عام 2008، والذي تأثّرت به مصر وآسيا.
باختصار لا توجد دولة تملك «زر إيقاف» للإنترنت العالمي، وذلك لعدة أسباب: اللامركزية، فالإنترنت شبكة موزّعة بلا مركز تحكم واحد، والتكرار (Redundancy) بوجود مسارات بديلة متعدّدة لنقل البيانات، والمرونة التقنية، فأنظمة التوجيه تقوم بإعادة توزيع الحركة تلقائياً عند حدوث أي عطل، لكن هذا لا يعني غياب المخاطر، فهناك سيناريوهات يمكن فيها لدولة أو جهة قوية أن تُحدث اضطراباً كبيراً، مثل استهداف الكابلات في نقاط الاختناق، والهجمات السيبرانية على أنظمة التوجيه، والضغط السياسي أو العسكري على ممرات الاتصالات، ومع ذلك، حتى في أسوأ السيناريوهات، يكون التأثير جزئياً أو إقليمياً، وليس إطفاءً كاملاً للإنترنت العالمي، ممكن أن يحدث في دولة قطع كامل للإنترنت، وقد جربناه في ٢٠١١، وتعيش فيه كوريا الشمالية، لكن أن يمتلك فرد أو تمتلك بلد نزع الفيشة، فهذا مستحيل.
المصدر: الوطن
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




