بين الاحتواء والتعايش التنافسي: واشنطن تبحث عن معادلة جديدة مع موسكو
خاص – نبض الشام
قمة غامضة ومعادلات استراتيجية جديدة
بينما تتأرجح التحضيرات لقمة محتملة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في بودابست، تتصاعد التساؤلات في واشنطن حول طبيعة العلاقة المقبلة مع موسكو. فالحرب الأوكرانية لم تُحسم بعد، والمقاربات الأميركية تتراوح بين سياسة الاحتواء الصارمة ونهج التعايش التنافسي الواقعي. وفي خضم هذا المشهد، تبحث الإدارة الأمريكية عن معادلة تحفظ أمن أوروبا وتمنع مواجهة مباشرة بين القوتين النوويتين.
قمة مؤجلة ومفاوضات صامتة
ذكرت مجلة “ذا ناشونال إنترست” أن القمة المقترحة بين ترامب وبوتين قد لا تُعقد في المدى القريب، وأن الحرب الروسية الأوكرانية لن تصل إلى تسوية نهائية قريباً. ورغم التعليق الرسمي، بدأت حوارات معقدة بين مسؤولين من الجانبين لتحضير أرضية لقاء مثمر، يعيد صياغة العلاقات الأمريكية ـ الروسية وفق توازنات أكثر استقراراً.
بين الاحتواء والتعايش التنافسي
تطرح واشنطن نهجين إستراتيجيين للتعامل مع روسيا:
الأول هو الاحتواء، وهو الخيار التقليدي المفضل لدى مؤسسات السياسة الخارجية، أما الثاني فهو التعايش التنافسي، الذي يدعو إلى إدارة الصراع لا كسره. ويعتمد الاختيار بينهما على تقييم واشنطن لنية موسكو وقدرتها على تهديد النظام الأوروبي والعالمي.
الاحتواء.. روسيا كخصم دائم
يُعامل نهج الاحتواء روسيا كقوة معادية ذات طموحات توسعية لا تُطاق، ويستند إلى فكرة أن إحباط هذه الطموحات سيقود في النهاية إلى تآكل النظام الروسي وظهور دولة جديدة أكثر انسجاماً مع القيم الغربية. في هذا الإطار، تدعم الولايات المتحدة حق أوكرانيا في الانضمام إلى الناتو وترفض أي تسوية تُشرعن المكاسب الروسية منذ 2014، مع تأييدها لاستعادة الأراضي المحتلة بمرور الوقت. ورغم ما يمنحه هذا النهج من تفوق أخلاقي وسياسي، فإنه يحمل مخاطر إطالة أمد الحرب بحرمان روسيا من أي مخرج آمن أو ضمانات تحفظ ماء وجهها.
التعايش التنافسي.. براغماتية منضبطة
على النقيض، تفترض إستراتيجية التعايش التنافسي أن روسيا منافس دائم لا يمكن تغييره بالضغط أو الإغراء، وأن الهدف ليس هزيمتها بل إدارة المنافسة بمسؤولية لتجنب الحرب المباشرة. وفي هذا الإطار، ستُشجع واشنطن أوكرانيا على الحياد العسكري والتخلي عن عضوية الناتو، مقابل تعزيز صناعتها الدفاعية بدعم غربي يضمن قدرتها على الصمود دون تهديد مباشر لموسكو.
قضية الأراضي المتنازع عليها
يُفضل التعايش التنافسي الاعتراف بالسيطرة الروسية الفعلية على الأراضي المحتلة دون إضفاء شرعية قانونية عليها، ويطرح حلاً يقوم على مبدأ تقرير المصير المحلي تحت إشراف دولي، ما يسمح لسكان المناطق بتحديد مستقبلهم السياسي سلمياً. هذا الحل الواقعي يعترف بأن استقرار أوكرانيا لا يقوم على الوعود الأخلاقية بل على توازن قوى مستدام يتيح لها إعادة البناء والاندماج مع أوروبا دون أن تكون ساحة مواجهة دائمة.
بين الأخلاق والواقعية
يبقى الاحتواء جذاباً لأنه يعكس الثقة الأخلاقية للقوة العظمى الأمريكية، لكنه مكلف ويُطيل النزاع. أما التعايش التنافسي فيقدّم إطاراً عملياً لإدارة الصراع في نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على الهيمنة الكاملة أو تحقيق نصر حاسم على روسيا. ووفق المجلة، فإن الرهان الواقعي اليوم ليس على النصر، بل على الاستقرار، وعلى سلامٍ يقوم على عدالة غير كاملة لكنها قابلة للتحقيق.
خيار بين الأخلاق والاستقرار
تواجه واشنطن اليوم معضلة استراتيجية بين المثالية الأخلاقية والبراغماتية الواقعية. فسياسة الاحتواء تُرضي الضمير الغربي لكنها تُهدد بإطالة الحرب، بينما يمنح التعايش التنافسي طريقاً أكثر أماناً نحو سلام أوروبي مستقر ونظام عالمي يخدم المصالح الأميركية وإن لم يُرضِ مثالياتها. إنها قمة مؤجلة وصراع رؤى مستمر بين واقع السياسة وحدود الأخلاق.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




