ريفييرا غزة وحروب النفوذ: براغماتية قاسية تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط
ترجمة – نبض الشام
بينما يُفترض بالبراغماتية أن تعكس الواقعية السياسية وسعي الدول نحو تحقيق مصالحها، إلا أن ما يجري في الشرق الأوسط يكشف وجهاً آخر أكثر قسوة وخطورة. فقد تحوّلت البراغماتية في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ومع السياسات الإسرائيلية والإيرانية، إلى أداة لتبرير القمع والتهجير وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة. ومن غزة إلى جنوب لبنان وحتى إيران، أصبحت القرارات السياسية أكثر ارتباطاً بالمصالح الضيقة ومشاريع السيطرة، على حساب الأمن والاستقرار.
براغماتية مُشوّهة
لم تعد البراغماتية في الشرق الأوسط مجرّد أسلوب سياسي يقوم على الواقعية، بل أصبحت غطاءً لتبرير سياسات القمع والتهجير والتوسع. ومع هجمات 7 أكتوبر 2023، وجدت إسرائيل الفرصة المثالية لتسريع مشروعها الراديكالي الرامي إلى تحويل غزة والضفة الغربية إلى أراضٍ يهودية خالصة، مستغلة الصراع لتغيير الحقائق على الأرض.
في المقابل، تبنّت إيران نهجاً مختلفاً من البراغماتية يقوم على تسخير الأيديولوجيا الثورية لعام 1979، حيث تحوّل الدين والسياسة وحتى مكونات الشعب الإيراني إلى أدوات لخدمة طموحاتها التوسعية ومشاريعها النووية، مما جعل المنطقة مسرحاً لتقاطع المصالح بين ثلاث قوى متصارعة: واشنطن، تل أبيب، وطهران.
ترامب وخطط “ريفييرا غزة”
يلعب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب دوراً محورياً في هذه المعادلة. فوفق تقارير، عقد ترامب اجتماعاً سرياً في البيت الأبيض مع صهره جاريد كوشنر ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ناقش خلاله مستقبل غزة بعد انتهاء الحرب.
ترامب الذي طرح في وقت سابق فكرة إنشاء “ريفييرا الشرق الأوسط”، تراجع عن المشروع بعد موجة من الانتقادات الحادة، خصوصاً من العالم العربي، لكنه عاد لإحيائه مؤخراً. الفكرة تقوم على تحويل شواطئ غزة إلى منطقة استثمارية سياحية ضخمة، حتى لو كان ذلك يعني البناء فوق أنقاض المنازل الفلسطينية المدمرة.
هذا التوجه دفع ترامب لدعم خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الهادفة إلى القضاء على حماس، وتهجير ملايين الفلسطينيين، وفرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية على القطاع، وصولاً إلى ضمه فعلياً لإسرائيل.
حماس منحت إسرائيل المبرر
المفارقة الكبرى أن هجوم حماس وحلفائها في أكتوبر 2023 منح إسرائيل المبرر السياسي والعسكري لتبرير حملتها المدمرة على غزة. كما ساهم ضعف السلطة الفلسطينية وفسادها الداخلي في تعميق الأزمة وتفاقم مأساة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
ورغم أن إسرائيل قد لا تحقق حلمها في الحصول على اعتراف عربي كامل أو تطبيع شامل مع السعودية، إلا أن هذا لا يبدو مصدر قلق لها. فبحسب نهجها البراغماتي، ترى إسرائيل أن العالم منشغل بأزمات أخرى، ما يقلل من أهمية القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية.
جنوب لبنان والصفقة البديلة
بالمقابل، تتبنى إدارة ترامب نهجاً مختلفاً مع جنوب لبنان مقارنة بمشروع “ريفييرا غزة”. فوفق تصريحات مبعوثه إلى سوريا ولبنان توم باراك، يرتكز المقترح اللبناني على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، وعودة النازحين إلى منازلهم المدمرة، إلى جانب إطلاق شراكة دولية-عربية لإعادة الإعمار بما يضمن الاستقرار والتنمية.
لكن إنجاح هذا المشروع مرهون بضغط أمريكي مزدوج:
على الحكومة اللبنانية لفرض سيادتها واحتكار السلاح.
وعلى إسرائيل لإنهاء احتلالها، بدعم وضمانات أمريكية وأوروبية وعربية.
صفقة دفاعية مع لبنان
في خطوة غير مسبوقة، طرح السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام فكرة اتفاق دفاعي مشترك بين واشنطن وبيروت، بهدف حماية التنوع الديني في لبنان، وخصوصاً المجتمع المسيحي. وأشار إلى أن مثل هذه الشراكات نادرة للغاية، إذ تتمتع بها دول قليلة، بينما تتمنى العديد من الدول الأخرى الحصول عليها.
ورغم أن تنفيذ الاتفاق غير محسوم، فإن طرحه يكتسب أهمية كبرى، خصوصاً في ظل المساعي الأمريكية لتقليص النفوذ الإيراني في لبنان بعد أن تم بالفعل إضعافه في سوريا، وهو ما يعكس نهجاً براغماتياً متقدماً في رسم خارطة المصالح الأمريكية في المنطقة.
إيران بين العقوبات والتهديدات
تراقب إيران هذه التحركات بقلق بالغ، خصوصاً مع تكثيف واشنطن ضغوطها عبر اجتماعات سرية بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين تهدف إلى تقليص نفوذ طهران في سوريا، وهو ما يؤثر مباشرة على إمداداتها العسكرية والصاروخية لحزب الله.
وفي الوقت ذاته، تواجه إيران تهديدات متصاعدة من العقوبات الأوروبية والضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وهي تهديدات أعلن ترامب استعداده لتنفيذها إذا واصلت طهران رفض شروطه.
وقد اضطرت إيران، تحت ضغط التهديدات الأوروبية بتفعيل آلية إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة، إلى السماح لـ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى بعض مواقعها النووية، رغم استمرارها في تقييد دخول المفتشين إلى مواقع أخرى. ومع ذلك، أثبتت الأزمة أن البراغماتية دفعت إيران إلى التراجع والانصياع جزئياً للمطالب الدولية.
واقعية سياسية أم براغماتية مدمّرة؟
ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط يشير إلى تحوّل خطير في مفهوم البراغماتية، إذ لم تعد سياسة واقعية هدفها تحقيق التوازن، بل تحوّلت إلى ما يمكن وصفه بـ “الواقعية الساخرة”.
ففي حين قامت إسرائيل بتسميم مفهوم البراغماتية من خلال سياساتها في غزة، فإن إيران بدورها ابتذلت هذا المفهوم عبر مناوراتها المتقلبة التي تركز فقط على بقاء النظام، بينما يسعى ترامب إلى استثمار الفوضى لإعادة تشكيل مستقبل المنطقة بما يتماشى مع مصالحه الخاصة.
تشهد المنطقة مرحلة حساسة تعيد فيها البراغماتية رسم خرائط النفوذ والمصالح، لكن بثمن باهظ يدفعه الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون. وفيما تتقاطع مصالح واشنطن وتل أبيب وطهران في مشهد سياسي معقد، يظل مستقبل الشرق الأوسط معلّقاً على توازنات هشة، بين صفقات تحت الطاولة، ومشاريع توسعية، وتحالفات دفاعية قد تعيد تشكيل المنطقة لسنوات قادمة.




